الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عملية مفخخة: بقلم - عبد القادر ياسين

هذه المرة رئيس الوزراء الاسرائيلي, بنيامين نتانياهو لا يكذب. لأن رغبته صادقة في محاولة الافلات من المستنقع اللبناني الباهظ التكاليف, بشريا . غني عن القول ان الذي أجبره على التخلي عن كذبه وخداعه, هذه المرة, تلك الضريبة الباهظة التي فرضتها على اسرائيل وقواتها العسكرية (المقاومة الاسلامية) في لبنان. وفي 9 مارس الماضي نظمت, في القاهرة (اللجنة العربية لمساندة المقاومة الاسلامية في لبنان) ندوة, حضرها عشرون من المتخصصين والسياسيين, في مقدمتهم مدير المخابرات المصرية الاسبق لواء سيد غانم, والمفكر المرموق د. محمد مورو, والكاتب السياسي المعروف د. رفعت سيد احمد, والكاتب الصحفي جمال إمبابي, ونائب رئيس حزب الاحرار المصري, حلمي سالم, وأمين حزب العمل المصري في الاسكندرية, خالد الزعفراني, واللواء الدكتور محمود أبوالبشير, والمهندسان محد حجاوي وعلي عبدالفتاح. لقد دارت مناقشات ثرية في هذه الندوة, أوحت لي بجملة من الافكار حول موضوعها الذي دار حول (احتمال الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان) . ما لا تحتمله اسرائيل صحيح ان زهاء1500 قتيل اسرائيلي سقطوا في الجنوب اللبناني على مدى ستة عشر عاما (1982 ــ 1998), رقم ضئيل في حسابات الحروب. لكن هذا الرقم يزيد تأثيره الضاغط, اذا ما علمنا ان اسرائيل لا تخوض حربا معلنة على الجبهة اللبنانية, بل تفرض عليها حرب استنزاف, تلحق خسائر بشرية غير عادية باسرائيل. ان صفة (غير عادية) هذه تعود الى جملة من الامور. فأولا تفوق قيمة البشر في اسرائيل غيرها في اية بقعة من العالم, بسبب تدني نسبة الشباب بين مستوطني اسرائيل اليهود. وثانيا فإن استمرار سقوط القتلى والجرحى في صفوف الجنود الاسرائيليين, يضرب في صميم صورة (الجيش الاسطوري الذي لا يُهزم) , التي افلح الجيش الاسرائيلي في لفها حول رأسه, هالة وهمية. وثالثا, فلا شك في ان هذه الخسائر البشرية تُفقد (أرض العسل واللبن) بهجتها وجاذبيتها, وتحولها الى (أرض القتل والدم والدموع) بما يكفي لتنصير يهود العالم منها, ويوقف هجرتهم الى اسرائيل. بما يزيد من احتمالات تآكل الكيان الاسرائيلي نفسه. ناهيك, رابعا, عن حظر تحول (المقاومة الاسلامية) الى نموذج كفاحي يحتذى في المناطق التي تتواجد فيها قوات اسرائيلية: قبالة سوريا, والأردن, والحكم الذاتي المحدود, دون ان نستبعد هنا مليون عربي فلسطيني, يرزحون كمواطنين من الدرجة الثالثة في اسرائيل, بعد ان احتل اليهود السيفارديم الدرجة الثانية من مواطنية الدولة اليهودية, تحت الدرجة الأولى, التي احتلها اليهود الأشكنازيم. أراض ومياه معروف ان طول الشريط الحدودي, الذي تحتله القوات الاسرائيلية في الجنوب اللبناني, يبلغ 850 كم, بعرض متوسطة 10 كم. وفضلا عن الكلفة البشرية التي تدفعها اسرائيل, فإنها تتكبد خمسين مليون دولار سنويا, على هيئة رواتب لثلاثة آلاف جندي في (جيش لبنان الجنوبي) بقيادة اللواء انطوان لحد, الموالي لاسرائيل, فضلا عن مكافآت ألفين وخمسمائة متعاون وعميل. ناهيك عما تتكبده الخزانة الاسرائيلية من تغطية احتياجات خمسين الف جندي اسرائيلي, يقبعون في حالة استنفار قصوى في شمال اسرائيل, احتياطي لتعزيز (جيش لبنان الجنوبي) عدا عن الفي جندي اسرائيلي آخرين, ينتشرون في عشرين موقعا عسكريا, تتوزع في طول الشريط الحدودي وعرضه. لقد دفعت (المقاومة الاسلامية) طوال ست عشرة سنة من المقاومة المتصلة 1179 شهيدا, اضافة الى مئات الشهداء الذين سبق ان قدمتهم (المقاومة الوطنية اللبنانية) على مدى السنوات الخمس التالية للاجتياح العسكري الاسرائيلي للبنان, صيف 1982. لذا من الطبيعي اعتبار الرغبة الاسرائيلية الملحة في الانسحاب من الجنوب اللبناني بثمرة المقاومة الجسورة, التي يقودها (حزب الله) هناك. ان اسرائيل تقف عاجزة, تماما, عن توجيه ضربات قاصمة الى حزب الله, الامر الذي أكده, مؤخرا, قائد عسكري اسرائيلي. في هذا الصدد فإن معارضي رونالد ريجان, واجهوه ــ حين أراد ترشيح نفسه لفترة رئاسية امريكية ثانية ــ بأنه عجز عن حماية المارينز من الضربة الموجعة التي وجهها اليهم شاب استشهادي لبناني, خريف 1983, فقتل منهم أكثر من مئتي جندي, مما اضطر ريجان, بعدها, الى سحب قواته من لبنان. وقد رد ريجان على منتقديه, بأن ما من احد يقدر على مواجهة أو منع شاب اراد ان يستشهد. وهذا تأكيد جديد على ان الانسان لا يزال أقدر على هزيمة التكنولوجيا. المهم ان يمتلك هذا الشاب ارادة الكفاح والمقاومة. لكن, هل يمكن للاسرائيليين ان ينسحبوا, صاغرين, دون ان يحاولوا الحاق الأذى بأعدائهم؟ الفخاخ انها المرة الأولى التي تعرب فيها اسرائيل ــ على مدى نصف قرن, هي مجموع سني عمرها ــ عن رغبتها, الاستثنائية في صدقها, في الانسحاب من ارض سبق لها ان احتلتها. مما يأتي تأكيدا على ان القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو الاسرائيلي, في تعامله مع (الأغيار) . أما المرة الأولى,فكانت سنة 1984, حين اخذت (المقاومة الوطنية اللبنانية) تصدر الى اسرائيل, يوميا, ما بين خمسة الى عشرة نعوش. مما اجبر القوات الاسرائيلية على ان تفلت بجلدها من لبنان, وتتقوقع داخل (الشريط الحدودي) , مع لحدها, تاركة وراءها (اتفاق 17 مايو) الذي سبق للحكومة اللبنانية ان اذعنت, ووقعته, في سنة 1983, فاستفزت المشاعر الوطنية اللبنانية, وانفجرت على النحو المعروف في وجه قوات الاحتلال الاسرائيلي. وبرغم كل ما أمدت الامبريالية الامريكية به فتاها المدلل, اسرائيل, من آخر ما اخرجته ترسانات القتل والدمار الامريكية, فإن نموذج المقاومة اللبنانية, الذي قدمته (المقاومة الوطنية اللبنانية) ومن بعدها (المقاومة الاسلامية) قد هزم هذه الترسانات, والعقول الشريرة التي تقف من ورائها. لعل من فضول القول بأن ارغام القوات الاسرائيلية على الانسحاب, في حد ذاته, يمثل ضربة قاصمة لسمعة هذا الجيش, والى هيبته المفترضتين, مما يدفع قادة اسرائيل الى محاولة التقليل من خسائرهم, بمحاولة الحد من التأثير المعنوي السلبي على مستوطنيها, والتأثير الايجابي على الشعوب العربية, بما فيها الشعب الفلسطيني, الذي مزقته اتفاقات أوسلو, إربا إربا, سياسيا وجغرافيا. لذا تطمح حكومة اسرائيل الى تفجير الخلافات داخل قيادة (حزب الله) نفسه, ما بين مؤيد للانسحاب, فقد (كفى الله المؤمنين شر القتال) , وما بين مطالب بمواصلة القتال, ما دامت للمسلمين ارض مغتصبة. من جهة اخرى, تتضمن اغراض الحكومة الاسرائيلية الايقاع بين (حزب الله) وبين حكومة بلاده. بالعمل على تحويل الاخيرة للضغط على الحزب, من اجل الكف عن مقاومة اسرائيل, والالتزام بضمان امنها, حسب التعهد الذي من المفترض ان تقدمه الحكومة اللبنانية في هذا الصدد. لكن عبثا تحاول حكومة اسرائيل استحداث ملقاط لجمر المقاومة في يد اسرائيل مما جرى في مناطق الحكم الذاتي غير قابل للتكرار في لبنان, اساسا لأن الطرف اللبناني منتصر, وقد فرض شروطه. كما تتطلع اسرائيل, ثالثا, الى ان يدفع عرضها الانسحاب من جنوب لبنان الحكومة السورية الى اشتراط ربط المسار اللبناني بالمسار السوري. مما يفجر خلافا سوريا ــ لبنانيا, بينما تتفرج اسرائيل على ما صنعته يداها. الى ذلك قد تدخل الحكومتان في مواجهة مطردة مع (حزب الله) , كلما اقتربت اسرائيل من اكمال انسحابها. حتى سلطة الحكم الاداري الذاتي المحدود, مرشحة للدخول على الخط, فقد ترى في الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان تخليا عربيا عن تلك السلطة! في الوقت الذي يتطلع الطرف الاسرائيلي فيه الى استخدام انسحابه من جنوب لبنان الى أداة ضغط على المفاوض الفلسطيني, في محاولة لابتزازه, بمزيد من التنازلات المجانية المعهودة. الخلاصة, ان اسرائيل لا تريد لقواتها الانسحاب من الجنوب اللبناني ــ مع كل ما يلحقه ذلك الانسحاب باسرائيل من أذى, مع عدم اغفال ما ستخسره هنا من مياه دأبت على سرقتها ــ دون ان تحاول الحاق الأذى بعدة اطراف معادية لها. أما احسن التكتيكات في هذا الصدد, فلعله تكتيك ضرب العدو بالعدو, الذي لطالما أجادته اسرائيل. وكنا نحن فيه وسيلة الايضاح. على ان هذا لا يعني بأن نرفض انسحاب القوات الاسرائيلية, بل نحرص من لدغات الحية الجريحة, فحسب.

تعليقات

تعليقات