من يعتذر لمن... ولماذا؟ بقلم- محمد خالد الأزعر

خلال بضعة ايام تلقت اسرائيل اعتذارين من جهتين, لكل منهما موقعا رمزيا بالغ الاهمية على الصعيد الدولي, من امين عام الامم المتحدة, ممثل المجتمع الدولي, وكان موضوعه قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية الصادر عن الجمعية العامة سنة 1975 والذي الغى بقرار آخر صدر عام 1991. والثاني, من رئاسة الكنيسة الكاثوليكية بالفاتيكان, بخصوص دور البابوية تجاه ما يسمى بالمحرقة اليهودية ابان الحرب العالمية الثانية. تتأتى دلالات هذين الاعتذارين وتداعياتهما المستقبلية ليس فقط من المكانة الرفيعة لمصدريهما, وانما ايضا من توقيتهما ومضامينهما والجهة المعنية بهما وفقا لتصورات الجهات المرسلة. يتزامن الاعتذاران والذكرى الخمسين لاعلان الدولة اليهودية. وفي الوقت الذي ينبغي ان تثير فيه هذه المناسبة التساؤلات عن الالام المبرحة التي الحقها قيام اسرائيل بالشعب الفلسطيني ومحيطه الاقليمي العربي, يتذكر الفاتيكان مواقفه من ممارسات النازية والفاشية, لافتا النظر عن ممارسات الصهيونية في حق العرب, انها بمعنى ما دعوة مقنعة للتعمية على جراح حالية نازفة من اجل استذكار جراح يهودية يفترض انها اندملت منذ نصف قرن. على ان توقيت اعتذار كوفي عنان يبعث الدهشة بصورة اقوى. فقد تطوع الرجل بهذا التصرف, الذي يخرج عن اختصاصاته, فيما كان الاحرى به استشعار مسؤولية الامم المتحدة عن عدم تطبيقها الشق الثاني من القرار 181 لعام 1948 القاضي بانشاء الدولة الفلسطينية بعد تطبيق الشق الاول بالفعل بقيام اسرائيل. والذي يستفاد عموما من توقيت الاعتذارين, هو عدم التوازن في محتواهما, حتى ان اعتبرنا ان هذا التوقيت قد جاء عفويا دون قصد. لكن ما هو ادعى للاثارة ويحتاج الى تفسير, اضفاء الفاتيكان والامين العام على اسرائيل صفة الممثل لليهودية العالمية بما ينطوي ذلك من الانصياع لمطلب صهيوني اسرائيلي ملح. ولعل خطيئة كوفي عنان هي الاكبر والاظهر في هذه الناحية. لأن الفاتيكان خاطب اليهود بعامة رغم مغازلته لاسرائيل, بينما وجه عنان رسالته الاعتذارية الى اسرائيل مباشرة وهو في رحابها. وعندما تحدث عن المحرقة سعى عامدا الى ذكر رقم الملايين الستة من ضحاياها, مانحا نفسه منصب القاضي في مسألة هي موضع جدل في صحتها. نقول ذلك وقضية جارودي ماتزال ماثلة. لقد تجاهل الامين العام ان اسرائيل هي التي تطالب بأحقية تمثيل اليهودية العالمية, وان مطلبها هذا موضع نظر وتناظر ممتد, فكريا وسياسيا. وانه حتى لو كانت الرواية اليهودية لوقائع المحرقة صحيحة ــ وهو امر مشكوك فيه بشدة ــ فان ذلك لا يعني صحة تمثيل اسرائيل لليهود في كل مكان وزمان, والاعتذار منها اولها. ما يجب ان يتأمل فيه الامين العام هو ان لوقائع اضطهاد اليهود في سياق الحقبة النازية, تفسيرا آخر, قد يكون اكثر عقلانية, وقوامه, ان اوروبيين اضطهدوا اوروبيين ضمن سياق اوروبي حضاري واحد. ولذلك, يتعين على الامين العام, ان يعيد النظر في تكييفه للامر, او على الاقل ان ينسب ارائه لنفسه وليس الى مقامه الدولي الرفيع. على كل حال, لم تفت الفرصة بعد, كي يذكر الفاتيكان والامين العام, اسرائيل بالتزاماتها الدولية تجاه ضحاياها هي الاخرى, تلك الالتزامات التي تشمل ابعادا سياسية وقانونية واخلاقية انسانية بالغة العمق. فمن غير المقبول او اللائق ان يكيل هؤلاء بأكثر من مكيال في قضايا تعنيهم كما يقولون. غير اننا مطالبون بالتأمل في الاستحقاقات المقبلة التي ستطالب بها اسرائيل هاتين الجهتين, فالاعتذارات ليست مجرد تصريحات كلامية تسدى في المناسبات. انها آلية بترتب عليها تداعيات معنوية ومادية مؤثرة في دنيا العلاقات الدولية. يريد الفاتيكان باعتذاره التأثير على مسار العلاقات المسيحية اليهودية. انه يسعى طبقا لمصادره الى (احلال اليهود كشعب من شعوب الارض) . ويؤدي هذا في اضعف الايمان الى التصديق على الرؤية الصهيونية للتاريخ اليهودي, على عكس ما كان عليه الامر منذ بروز الصهيونية السياسية. لقد اعترضت الكنيسة الكاثوليكية في مطلع القرن على الحركة الصهيونية, وادعاءاتها في فلسطين, وكذا على تصريح بلفور (1917). ومن المؤكد ان التحول الفارق ازاء فكرة الشعب اليهودي, سوف يسعد الاوساط الصهيونية, كونه يؤمن على منتجاتهم وفي مقدمتها الاعتراف بحقوق لهذا الشعب في فلسطين. وبالتداعي, سيكون للفاتيكان شأنا آخر مع القدس, فالاصل ان الفاتيكان تطلع الى هذه المدينة, من خلال النظرة التي حددها (مجدلوس الاورشليمي) في الادبيات المسيحية في القرن الرابع الميلادي, كعاصمة للحجاج المسيحيين, وفي عام 1948 تطلع الفاتيكان الى تدويل القدس. لكنه دعا في نوفمبر 1969 الى اقامة وضع خاصة للمدينة... اسماه (امانة دولية مع حماية قانونية مناسبة للاماكن المقدسة, تحت اشراف دولة اسرائيل) . وفي الوقت الراهن, يعترف الفاتيكان باسرائيل, مرتضيا نتيجة التفاوض بينها وبين الفلسطينيين بخصوص السيادة على المدينة بكاملها. ان هذا الموقف الانحداري من القدس معطوف على الموقف التصاعدي من الصهيونية و(الشعب اليهودي) , يشكك في سياسة الفاتيكان المتوازنة من الحقوق الفلسطينية العربية الاسلامية في المدينة. لجهة السيادة عليها بخاصة. وتقديرنا ان الفاتيكان يتجه الى الاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على القدس مع استثناءات شكلية فيما يتعلق بالاشراف على الاماكن الدينية. وهذا هو الموقف الصهيوني الاسرائيلي بعينه. لا نعرف في الحقيقة مدى قدرة الجانب الفلسطيني (العربي ــ الاسلامي) على مواجهة هذه المستجدات في سياسة الفاتيكان, بانعكاساتها الكبيرة على المواقف الاوروبية والمسيحية بعامة لكن المتصور هو ضرورة التحرك لدرء مخاطر الخطوة الاخيرة المنتظرة من جانب البابوية في ثوبها السياسي الجديد. ولا تقل هواجسنا عن ذلك, بالنسبة لتداعيات مواقف الامين العام للامم المتحدة على مقاربة الشرعية الدولية للحقوق العربية في فلسطين. فللرجل كما ألمحنا, تكييفاته الخاصة للصهيونية والمحرقة اليهودية ولعلاقات الامم المتحدة مع اسرائيل. وهي تكييفات, لمن شاء التدقيق, تنذر بالشؤم. انه يرى مثلا ان صيغة اوسلو هي المطروحة فقط على الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي, غاضا النظر عن موروث الشرعية الدولية تجاه الحقوق الفلسطينية. وهو لا يخبرنا ما العمل في حال فشل هذه الصيغة, على ما تقول به الشواهد. ان اضعف الايمان والحال كذلك, العمل على تذكير الامين العام بهذا الموروث, واعلامه بأن تجاوز اسرائيل له, هو السبب الاساسي في السيرة السيئة لعلاقتها مع الامم المتحدة, فان اراد الرجل اصلاح ذات البين في هذه العلاقة, ما عليه الا ان يستحث الدولة اليهودية على وضع حد لعصيانها الدولي... فذلك ادعى لاتساقه مع وظيفته كممثل للشرعية الدولية بمعزل عن مواقفه الذاتية. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة*

تعليقات

تعليقات