مع الناس ـ بقلم : عبدالحميد أحمد

مات الاسبوع الماضي الديكتاتور بول بوت, الذي لا يعرف عنه الكثيرون شيئا, سوى الصور التي ترد الى البصر عنه, ومنها الصورة الشهيرة لآلاف الجماجم التي تم اكتشافها فأثارت الفزع, وتعبر عنه خير تعبير, بصفته زارع الموت في حقولها التي سميت (حقول القتل) . و(حقول القتل) الحقيقية في كمبوديا, حيث كان الجزار بول بوت يعدم الناس بالآلاف حتى فاق ما اعدمهم المليونين بين عامي 75 و79, تحولت عام 84 الى فيلم سينمائي ناجح, شارك في تمثيله كمبودي هو هانج نجور وحصل على دوره في الفيلم على جائزة الاوسكار, لولا انه قتل مؤخرا في جريمة غامضة في لوس انجلوس التي أقام فيها منذ مغادرته كمبوديا. بطل الفيلم اذن مات حقيقة, كما مات البطل الحقيقي الذي هزت جرائمه الضمائر الحية, اما غيرها فلم تهزها الا بعد فوات الآوان, وبعد ان كانت آلته القاتلة قد انجزت ما عليها من صناعة القتل والموت, وفي هذه للأسف قوتان: امريكا والصين, اللتان قدمتا له الدعم الكبير لمنع غزو فيتنامي مزعوم لكمبوديا ومنعها من فرض هيمنتها وهيمنة حليفها في ذلك الحين الاتحاد السوفييتي. هذا الدعم, صحيح انه شكل احراجا كبيرا الى اليوم للولايات المتحدة, غير ان هذه علمتنا عبر اكثر التجارب مرارة في التاريخ المعاصر انها وراء كل ديكتاتور من هذا النوع, سواء سقط هذا بعد ذلك بثورة او مات مقتولا او مات سهوا, كحال بول بوت, وان هذا الاحراج او الشعور بالذنب نتيجة السكوت على الجرائم يأتي متأخرا عادة وبعد فوات الآوان بكثير, وهو ما حصل تحديدا مع بول بوت, الذي كان مطلوبا للعدالة الدولية لمحاكمته, فمنعت دول كانت حليفة له من تقديم ملجأ له في أواخر ايام حياته. وهكذا مات بول بوت في قرية بالقرب من الحدود الكمبودية التايلاندية مع مجموعة صغيرة من اتباعه في كوخ خشبي, شاهده الملايين وهو مسجى فيه فوق سرير متواضع, بعد ان داهمته حسب الاخبار نوبة قلبية, واثناء ما كانت زوجته تحاول تغطيته بشبكة لحمايته من البعوض أثناء النوم فكانت اقسى نهاية لجزار, لأنه يموت وحيدا مطاردا منبوذا في كوخ على الحدود. مع ذلك فهناك من يشكك في طريقة موت بول بوت, فمن النوبة القلبية الطبيعية الى اعدامه من قبل رفاقه, حيث اعتبر مسؤول في جماعة (الخمير الحمر) التي يتزعمها الديكتاتور ان وفاته شيء طيب بالنسبة للخمير الحمر, فاذا صحت انباء القتل, فتلك اشارة الى حادث مدبر لوقف مطاردته من اجل محاكمته دوليا على جرائمه, وافلاته من العقاب, خاصة ان الموت جاء والحملة الدولية لاصطياده اكثر نشاطا. وسواء مات طبيعيا أم مقتولا, فان جزار كمبوديا سيبقى وصمة عار في تاريخ البشرية المعاصر, وحقبة من حقبها السوداء في حق الانسانية, وعنصر ادانة شامخا على الدوام للسياسات التي تبني مواقفها وافعالها على المصالح والصراع وترمي بالمبادىء خلف ظهورها, على النحو الذي جمع فيه بول بوت كلا من امريكا والصين في موقف واحد, على اختلاف ما بينهما من مبادىء ومعتقدات وانظمة سياسية واقتصادية, فاتفقا في مرحلة على تأييده كان من نتيجتها ملايين الضحايا من الابرياء, سوف تظل صورة جماجمهم الشهيرة تعذب القلوب ومثالا للطغيان البشري الاعمى. ومثلما ان صور كوابيس (حقول القتل) سوف تبقى ماثلة في الذاكرة, فان صورة الديكتاتور المسجى في الكوخ على سرير خشبي بائس, ومعها صورة حرقه التي تبثها الوكالات العالمية حيث القيت على جثته بعض قطع الاثاث مثل الكراسي لاتمام عملية الحرق, ستكون لصيقة بها ايضا, لتدل على النهايات التي يمكن ان يصل اليها الجلادون, فتعطي درسا للكثيرين منهم, ممن لايزال بعضهم حيا يرزق ويحظى بالدعم من امريكا نفسها بشكل مباشر او غير مباشر, لولا ان هؤلاء لا يتعلمون, لان امريكا نفسها لم يهزها الخجل والعار مرة, لتعرف حقا معنى حقوق الانسان خارج حدودها, ما يجعل نموذج بول بوت امكانية قائمة على الدوام.

تعليقات

تعليقات