بين الجنوب والجولان وتشجيع، الانسحاب الاسرائيلي من لبنانسمي - بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا

بدون الكثير من عناء التفكير: كل انسحاب اسرائيلي من اراض عربية هو امر ايجابي يجب تشجيعه واستثماره لانه في الجوهر يضع الاساس لمزيد من الانسحابات ولمزيد من التراجعات الاسرائيلية. والاعتقاد بأن الانسحاب الاسرائيلي او تحرير قطعة ارض عربية سوف يعني مقدرة الاسرائيليين مقاومة ذلك في مكان اخر هو تخوف له ما يبرره بحدود ولكنه ليس امرا حتميا بل بالامكان تفاديه والالتفاف عليه ان اتبعت السياسات المناسبة. ان منطق القوة العسكرية وتنفيذ ضربات وقائية ضد العرب يسقط امامنا كل يوم, ومنطق الاحتلال العسكري واخذ اراضي الغير بالقوة هو الاخر يواجه مصاعب كبيرة في عالم اساسه تداخل الاقتصاد والتنمية, لهذا فطرح اسرائيل لمسألة الانسحاب يعكس تعلم من تجربه عمرها عقود في جنوب لبنان, ولا يعقل ان نبدو وكأننا نتمنى ان يبقوا في اراضينا وكأننا نخشى من خسارة قضية دون ان نهتم بتحرير من يعيشون واقع الاحتلال. ان جوهر التجربة يؤكد بأن بقاء اسرائيل في اراض عربية له ثمن علينا وعلى اسرائيل وهو ثمن مباشروغيرمباشر, ولكن الانسحاب في اطار ضمانات عادية قد يعود ببعض المنافع على اسرائيل ولكنه يعود بالنفع الأكبر على العرب وعلى تلك الاراضي التي تنسحب منها اسرائيل, ان امكانية انسحاب اسرائيل من الجنوب جاء نتيجة المقاومة وجاء نتيجة الخسائر الاسرائيلية ويجب تشجيعه انطلاقا من هذا الاساس. لنتخيل سيناريو انسحاب اسرائيلي يليه انتشار للجيش اللبناني فوق كافة المواقع في الجنوب حتى الحدود الدولية, يليه توقف للعنف والقصف والموت في الجنوب بضمان لبناني ــ سوري, ثم التقاط لانفاس الجنوب على الصعيد السياسي والنفسي والاقتصادي, في ظل سيناريو مثل هذا وفي ظل عدم توقيع لبنان لاتفاقية سلام او صلح مباشرة مع اسرائيل وفي ظل تحول حزب الله لحزب سياسي مثل اي حزب لبناني اخر, تكون مسيرة الانتعاش والبناء قد لامست كل لبنان وكل اراضيه وفي هذا تعزيز للسلم الاهلي وتعزيز لارادة الخروج نحو اوضاع افضل. ولكن قد يقول قائل ان مكسب لبنان في هذا الشأن هو خسارة لسوريا, وان اسرائيل لن تمتلك بعد ذلك الحافز للانسحاب من الجولان لان الضغط الذي يسببه جنوب لبنان سيكون قد زال ولكن دعونا نناقش هذا التصور الذي نتفهم مبرراته الموضوعية. فهذا التصور لا يأخذ بعين الاعتبار ديناميكية الصراع العربي الاسرائيلي ولا يأخذ بعين الاعتبار بأن موضوع السلام السوري الاسرائيلي اكبر بكثير من القتال المتوسط الاستنزاف في جنوب لبنان فسوريا تمتلك مفاتيح رئيسية في قضية الضغط على اسرائيل تتجاوز جنوب لبنان, فدورها في الحفاظ على السلم الاهلي في لبنان مقبول عربيا ودوليا, ودورها في مقاومة التطبيع عربيا معروف, ودورها الذي يمنع السلام الشامل الا بعد تحرير الجولان ايضا مثبت. ومن جهة اخرى وقعت كل الدول المحيطة باسرائيل على اتفاقات سلام ما عدا سوريا ولبنان, وان وقع انسحاب اسرائيلي من لبنان فلن يكون مترافقا مع اتفاق سلام بل مع ترتيبات دولية او ضمنية لبنانية وسورية, وهذا يعني ان الضغط على اسرائيل سيبقى بعد ذلك, ان استمرار السلام بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب سوف يرتبط بقرار سوري بعدم التصعيد وعدم استخدام الجنوب, ولكن بنفس الوقت بالامكان تحويل الهدنة في الجنوب لسيف مسلط على اسرائيل, بل ان الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب مع ضمانات لبنانية وسورية يجب ان يتضمن التزاما امريكيا بتحريك التفاوض السوري الاسرائيلي حول الجولان قريبا. ومن جهة اخرى هناك عناصر ضغط اضافية تتجاوز جنوب لبنان وفائدته وبامكان سوريا استغلالها للضغط على اسرائيل, فصراع الفلسطينيين مع اسرائيل مازال فيه اشواط واشواط فقضايا الانسحاب من الضفة وقضايا المفاوضات النهائية من لاجئين ومستوطنات وقدس وسيادة وحدود تشكل جميعها قضايا متفجرة بامكان سوريا تبنيها في اطار رؤية للسلام العادل والشامل وبامكان سوريا ان تدعم كل من يقاتل اسرائيل في المرحلة التالية ومن اكثر من جبهة عربية باستثناء جنوب لبنان ان انسحبت منه اسرائيل. وبامكانها ان تقود سياسة ايقاف التطبيع مع اسرائيل بل والتقليل منه والتراجع عما تم انجازه في بعض الدول العربية. وبامكان سوريا ان تستنهض في كل هذا المواقف العربية المؤيدة لسوريا وللفلسطينيين وللتسوية العادلة, ولنتذكر ان الموقف المصري هذا يأتي من نفس الدولة التي وقعت كامب ديفيد والتي قاطعها العرب لسنوات طويلة, وهذا يعني ان الضغط على اسرائيل سيكون من قبل دول عربية مؤثرة مثل مصـر والمملكة العربية السعودية ومجلس التعاون الخليجي. اذن بامكان الجولان المحتل والقضية الفلسطينية ان يحظيا باجماع عربي من خلال دور سوري يسعى بذكاء وفعالية بهذا الاتجاه. ان بقاء اسرائيل خارج اطار التطبيع وفشل اسرائيل في تحقيق انفتاح على العالم العربي بمعزل عن حل القضية الفلسطينية وحل قضية الجولان سوف يكون النقطة الاساسية التي تعوض سوريا قوة الضغط الجنوبية اللبنانية. لهذا يمكن الاستنتاج بأنه وفي ظل الظروف الراهنة بامكان سوريا ان ترمي ورقة الجنوب دون ان تتعرض لخسائر كبيرة بل بامكانها تحقيق مكاسب كبيرة من خلال ترك الورقة الجنوبية في ظل انسحاب اسرائيلي بدون توقيع اتفاق سلام. ومن الطبيعي ان ينعكس مكسب لبنان بتحرير اراضيه الجنوبية وانتعاش اقتصاده ايجاباً على سوريا التي ترتبط بلبنان فالانتعاش في لبنان انتعاش لسوريا وتحرير اراضي الجنوب سوف ينقل مركز الضغط لصالح التركيز على ما لم ينجز الا وهو الانسحاب من الجولان. لنقبل بالانسحاب الاسرائيلي من حيث المبدأ ولنسعى لتسهيله وتأمينه ولو اضطر الامر الى التعاون مع مجلس الأمن والامم المتحدة لترتيب ذلك الانسحاب فان كان الجنوب اللبناني اولا امراً ممكناً فمن الطبيعي ان يكون الجولان ثانيا امرا ممكنا هو الآخر, ولكن من الصعب ان يسير كل شيء كما نريد مرة واحدة, وهذا ما تؤكده تجربة الصراع ومحاولات السلام على مدى العقود الخمسة الماضية.

تعليقات

تعليقات