الى أين تتجه برامج الاصلاح الاقتصادي؟ بقلم: يحيى المصري

اذا لم تتجه برامج الاصلاح الاقتصادي الى اصلاح البعد الاجتماعي, فانها وبدون مقدمات تتلاشى عمليا بعد فترة وجيزة وتعود الدولة الى ما كانت عليه قبل بداية الاصلاح وربما اسوأ مما كان عليه الوضع . هذا ما اكدته تجربة دول جنوب شرق آسيا التي واجهت ازمات اقتصادية محلية واقليمية وقد تمتد لتكون ازمة عالمية لا تقل عن الازمة الاقتصادية العالمية التي واجهت العالم في الثلاثينات حيث انقلبت الموازين وتحول الاغنياء الى فقراء وزادت معاناة الفقراء ونقص الطعام بعد ان تكالب الكثيرون على حفظه خوفا من الجوع مثلما حدث في اندونيسيا كما انخفض كذلك مستوى الرفاهية التي شعر بها معظم شعوب هذه الدول في الثمانينات والنصف الاول من التسعينات. وبعيدا عن التحليل الاقتصادي والمالي عن الاسباب التي ادت للازمة اقول ان الاصلاح الاقتصادي الذي يركز على معالجة اختلالات الموازين الاقتصادية فقط كالموازنه العامة وميزان المدفوعات والميزان التجاري هذا الاصلاح الاقتصادي قد تستفيد منه فئات محدودة من الشعوب ولكنه لا يصل الى كل الفئات خاصة الفئات الشعبية المطحونة التي تعاني اكثر من غيرها وتقاسي من الآلام الناتجة من سلبيات الاصلاح الاقتصادي الذي لا يراعي البعد الاجتماعي. وعلى سبيل المثال فان معالجة العجز في الموازنة العامة للدولة يتم في الغالب نتيجة برنامج انكماشي يؤدي الى هبوط في مستوى المعيشة وزيادة البطالة وزيادة الكساد واتساع حالات الافلاس كما ان تخفيض سعر الصرف الذي يتم كرافد من روافد الاصلاح الاقتصادي لا يؤدي غالبا الى زيادة الصادرات اذا انعدمت الشروط اللازمة لهذه الزيادة كمرونة جهاز الانتاج المحلي ومرونة الطلب الخارجي على منتجات الدولة من السلع التصديرية وقدرة المنتجات المحلية على منافسة المنتجات الاجنبية في الخارج وبالتالي فان زيادة الصادرات اذا تمت في بعض السنوات فانها قد لا تستمر بعدها مما يؤدي الى زيادة العجز التجاري الى ما كان عليه وربما اكثر مما كان عليه خاصة مع استمرار زيادة الواردات الاستهلاكية التي تعودت على استهلاكها بعض الطبقات التي انتفعت من الاصلاح الاقتصادي. لقد تم اعداد هذه (الروشته) عندما كانت الدول الفقيرة والدول النامية بوجه عام في حاجة شديدة الى العلاج خاصة بعد ان تراكمت ديونها واتسع عجز ميزان مدفوعاتها وارتفعت اسعار السلع والخدمات واصبحت في حالة سيئة بالنسبة لكل مرافقها وهياكلها الاقتصادية غير ان العلاج لم يكن دائما نابعا من اقتصاديين وسياسيين امناء حريصين على مصالح شعوب الدول النامية, ولكن كان علاجا مؤقتا ومسكنا لم يراع البعد الاجتماعي ولا شمولية الطبقات الشعبية وانما اهمل الطبقات الفقيرة التي تصل الى نصف سكان العالم والتي قدرت في مصر بنسبة 49 في المائة حسب احصائيات تقرير التنمية البشرية الذي تم اعداده عن طريق معهد التخطيط القومي في العام الماضي. لقد كادت الطبقة الفقيرة فقرا مطلقا تنتهي في دول جنوب شرق آسيا عندما نفذت (الروشته) التي اشترك في اعدادها بعض المنظمات الدولية بالاضافة الى بعض المؤسسات المحلية وذلك بعد ان اتسعت هذه الطبقة ووصلت الى اكثر من سبعين في المائة في منتصف هذا القرن وتم تنفيذ هذه الروشته عملا وفي ضوء الصفات الطيبة التي تتسم بها شعوب دول جنوب شرق اسيا, وفي مقدمتها حب العمل وحب النظام وحب التعاون ونجح العلاج ووصلت هذه الدول الى مستوى يفوق الدول المتقدمة اقتصاديا. ولكن الفانوس السحري لم يلبث ان انكسر واشتعل بعد ان انتهت مدة العلاج المؤقت وبدأت الازمة تشتد في العام الماضي واتسعت بشكل واضح منذ صيف هذا العام ورأينا الفئات الغنية تعود الى فقرها السابق, كما رأينا الاغنياء السابقين يتحولون الى فقراء معدمين وسياسيين محنكين يتساقطون ويتخلون عن زعامتهم السياسية وشركات عديدة تفلس (اعلن ان معدل الافلاس بلغ مائة شركة يوميا في كوريا الجنوبية وحدها) . واذا كانت برامج الاصلاح الاقتصادي قد اهتمت بالعوامل الاقتصادية امتثالا لقواعد النظام الرأسمالي فان البعد الاجتماعي هو العامل الوحيد الذي يمكن ان يحفظ التوازن الدولي, لان فقراء اليوم ليسوا فقراء الأمس, فاليوم وفي ضوء التقدم التكنولوجي والفني, ومع المطالبة بالعولمة والغاء الحواجز بين الدول, فان الفقراء أصبحت لهم قوة مؤثرة ناتجة عن رؤيتهم الواضحة لكافة الاحداث والمجريات التي تتم في كافة دول العالم. ان البعد الاجتماعي اليوم أصبح العامل الرئيسي والمحرك الأول للتقدم العالمي الخالص الذي يضم الأمن والأمان, الطمأنينة والاستقرار, والذي يقضي على التخلف والارهاب, والذي يسعد كل الطبقات في كل المستويات, وهو الذي يتمثل في التقارب بين الفقراء والأغنياء فلا يكون بينهم فجوة كبيرة تثير المتاعب للأغنياء ويقاسي منها الفقراء, وقد أدرك صندوق النقد الدولي هذه الحقائق مؤخراً عندما طالب بمعالجة الفساد كشرط للدولة التي تريد ان تنتفع بقروضه وتحصل على معوناته, وفي ضوء ذلك ايضاً طالب الصندوق سوهارتو رئيس جمهورية اندونيسيا بوقف نشاط أبنائه واخوانه الذين يملكون الجزء الأكبر من الشركات والبنوك هناك, وذلك كشرط لتقديم قرضه الضخم لانقاذ اندونيسيا التي تردت فيها مستويات المعيشة وأصبحت تعاني من مستويات سياسية واقتصادية ومالية تنذر بقيام ثورة شعبية شاملة بالبلاد بدأت فعلاً في جزيرة فلورانس الاندونيسية ويقال انه تمت الاستجابة لمطالب الصندوق وان كان الوضع السياسي ما زال سيئاً للغاية. ان عالم اليوم يحتاج الى استراتيجية شاملة تعلو عن النظام النقدي العالمي, وعن النظام التجاري العالمي, وعن النظام المالي العالمي, استراتيجية تنظم العلاقات ليس بين الدول فقط ولكن بين المجتمعات والافراد, استراتيجية تتطلب لاعدادها مؤتمرا دوليا شاملا لا يقل في أهميته عن مؤتمر (بريتون وودز) المنعقد عام 1944 والذي وضع التخطيط الدولي لعالم ما بعد الحرب, وهو ما يحتاج الى اعادة نظر وفلسفة جديدة لكي يعيش الجميع المستوى اللائق والمطلوب ــ بعيداً عن القلق والخوف والظلم والطغيان ــ وهو الذي ساد علنا وقت الحروب والذي بدأ يظهر خفية خلال السنوات الأخيرة.

تعليقات

تعليقات