متى يرفع اللثام عن اسرار نكبة 1948؟ بقلم- شفيق الحوت

كل الفعاليات والتنظيمات والهيئات العربية المعنية بقضية فلسطين منشغلة هذه الايام باعداد البرامج المختلفة من ثقافية وسياسية وفنية بمناسبة الذكرى الخمسينية لنكبة العرب الاولى في فلسطين نكبة 1948 ربما السلطة الفلسطينية وحدها غير مكترثة بالمناسبة اذا لم نسمع حتى الان عن اي نشاط (لوزارة) الثقافة والاعلام او للجنة التي قيل انها شكلت منذ شهرين خصيصا للقيام بهذا الواجب برئاسة (ابو عمار) شخصيا. السلطة الفلسطينية مشغولة هذه الايام بتفكيك حماس, لانها, اي السلطة ترفض ان يكون في الساحة من ينافسها ولا تقبل اي (ازدواجية) في الحكم كما ورد على لسان امين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم وهو تعبير غير دقيق ولو توخى صاحب الدقة لتوجب عليه القول برفض (ثلاثية الحكم) لا ازدواجيته الا اذا اراد ايهامنا بأن اسرائيل لا تتدخل في شؤون الحكم وبخاصة الامنية, او ان مناطق الحكم الذاتي باتت فعلا محررة على كل حال حتى لو لم تكن السلطة مشغولة بحماس وفق مطالب نتانياهو وحكومته فإنها بعد توقيعها على اتفاقية اوسلو وملحقاتها وتفسيراتها لم تعد تجرؤ على اعتبار ماحدث في فلسطين عام 1948 بأنه نكبة وبان اقامة اسرائيل على انقاض فلسطين كان جريمة تستوجب الادانة والتنديد والعقاب الشديد, واهل السلطة يعرفون ذلك اكثر منا ولديهم قائمة طويلة من (التعبيرات) التي وردت على السنة بعضهم واعتبرتها اسرائيل خروقات على الاتفاقية المشؤومة. ولكن ما لنا والسلطة, فهي ان اصابت او اخطأت تبقى عابرة, ومن العبث ان نقرأ عليها اية مزامير ما يهمنا في هذه المناسبة الوطنية المفصلية هو شعبنا هذا السيل العرم والباقي ليوم الدين وطالما هو باق فقضيته قائمة وحقوقه لن يمر عليها الزمن مهما طال تاريخه يشهد على ذلك وكذلك واقعه الراهن المتمثل بهذا الصمود الشامخ رافضا التصفية والاندثار ومصمما على الانبعاث المتجدد وايصال الشعلة من جيل الى جيل. وبهذه المناسبة الخمسينية يخطر بالبال هذا السؤال: متى يرفع اللثام عن اسرار نكبة 1948 نحن نعلم ان لجميع الدول والشعوب اسرارها الكبيرة التي تتعلق بقضاياها الكبرى وتجاربها المصيرية ونعلم ايضا ان جميع هذه الدول اتفقت على انه في نهاية الامر لا مفر لها من فتح خزائنها والافراج عن اسرارها لان ذلك من حق الشعب بغض النظر عما تسببت به هذه الاسرار من هزائم او انتصارات ولكن هذه الدول تباينت فيما بينها في تقدير الفترة الزمنية التي لا بد من انصرافها قبل كشف اسرارها وذلك من قبيل الحرص على امن الدولة او المصلحة الوطنية العليا, فمن هذه الدول من يكشف عن اسراره بعد خمسين سنة, وغيرها بعد ثلاثين سنة, وهكذا ولكنها كلها في النهاية تكشف عن اسرارها وتودعها مكتباتها العامة لكل من يريد الاطلاع عليها. ولما لم اسمع عن دولة امتدت فترة كتمانها لاسرارها عن الخمسين سنة, خطر على بالي السؤال الذي طرحته. هناك سبع دول عربية ساهمت بشكل مباشر في صنع نكبة 1948, عسكريا او سياسيا وبالنهجين معا, هي مصر والاردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية واليمن من هذه الدول كانت تتشكل جامعة الدول العربية في تلك الفترة, وفي اطار هذه الجامعة انعقدت المؤتمرات واتخذت القرارات وتشكلت القيادات وصدرت الاوامر بالهجوم وبالانسحاب الى غير ذلك. حتى الآن ورغم مرور خمسين سنة على النكبة وما حدث خلالها من تغييرات جذرية في انظمة الحكم وفي هوية الحكام ومعظمها تم بسبب تلك النكبة او بذريعتها فإننا لم نسمع عن عاصمة عربية واحدة انها كشفت عن اورقها وافرجت عن وثائقها او نشرت شيئا من محاضر جلسات الجامعة والقرارات التي تمت تحت لوائها في بلودان وانشاص وعالية او عن كيفية سقوط فلسطين مدينة تلو الاخرى بعد تعرض شعبها للمذابح الجماعية على يد العصابات (هكذا كانوا يسمونها تلك الايام) الصهيونية. المكتبة العربية تعج بالكتب عن قضية فلسطين, ولكنها في معظمها من صياغة افراد كانوا شهود عيان ولكن ما من وثيقة رسمية تحمل توقيع عاصمة بالذات, بل ما هو اكثر بلاء ان معظم هذه العواصم لا تزال رافعة سيف المراقبة على ما يكتبه المؤرخون او الصحفيون وكأن حكامها في تلك الفترة ما يزالون احياء ويرزقون, علماً بأن جماهير هذه الأمة, بحدسها الفطري وبتجاربها المريرة, سبق وأصدرت احكامها, ومنذ زمن طويل بحق كل هؤلاء الحكام, قد تكون هذه الاحكام جائرة, وقد لا تكون, ولكن كيف لنا ان نعرف الحقيقة! الحقة ان كانت هذه الحكومات تصر على اخفاء وثائقها وكشف اسرارها! انا لا اصدق الكثير مما نشره الاجانب عن نكبة 1948, واعتقد انهم دسوا الكثير من السم في الدسم, ولكني في الوقت ذاته لم املك من الحقيقة ما يمكنني من نفي هذا الذي كتبوه او نشروه, ومما يزيد الطين بلة ان هذه الانظمة نفسها, وهي تعرف ما ينشر من كتب وابحاث تدين بعض رجالاتها ورموزها, تلجأ الى الصمت فلا تعلق بنعم او لا, ولا تتقدم لتصحيح هذه الواقعة او هذا اللقاء او تلك الاتفاقية استناداً على ما لديها من وثائق. ان من يقرأ يوميات هذا العام المشؤوم, عام 1948, وما كان يدور من تحرك في الساحة الفلسطينية, عسكرياً وسياسياً, ليصاب بالدهشة والذهول من مجمل المواقف العربية, وخاصة عندما يقارن المعلن من هذه المواقف وما تم في السر وظلمات الليل. ولنأخذ عينة من احداث هذا العام المشؤوم, مما جرى في مثل هذا الشهر بالذات, شهر ابريل 1948, وهو الشهر الذي شهد سقوط فلسطين, خلال ايام قليلة منه, يمكن الاشارة اليها بالأصبع وكما يقول المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي هي ما بين السادس والحادي عشر منه, فما بين هذين اليومين سالت دماء عبدالقادر الحسيني, على صخور القسطل وكانت جثث النساء والاطفال تلقى في آبار دير ياسين مما ادى الى انهيار مقاومة عرب فلسطين, فما جاء آخر هذا الشهر حتى كانت قد سقطت طبريا وحيفا ويافا والقدس الجديدة!! ليس في هذا من جديد على جيل النكبة او الجيل الذي تلاه, ولكن ما لم يدركه ابناء هذا الجيلين هو الاسباب التي ادت الى كل هذه الهزائم, وكيف تمت تلك المعارك, وبأي سلاح واين كان التقصير, او اين كان التآمر؟ نحن نعلم ان للقسطل قصتها ومأساة عبدالقادر الحسيني فيها, ولكن ما من احد اخبرنا لماذا لم تلب القيادة العربية في دمشق طلباته من الرجال والسلاح؟ كذلك نعلم كيف سقطت يافا, ولكننا ما نزال نجهل لماذا؟ لماذا انسحب المقدم نجم الدين منها وسحب معه أكثر من مئتي مقاتل, ولم ينتظر الضابط ميشال العيسى الذي كان في الطريق الى نجدته؟ كما لا نعلم لماذا انشغل القاوقجي في معركة (مشمارهاعميل) التي لم تكن ذات أهمية عسكرية بدلاً من ان يهرع لدعم حزب المجاهدين في القدس الذين كانوا قد احكموا الحصار على الاحياء اليهودية وقطعوا عليهم الطريق الى تل ابيب؟ ولماذا بعد ذلك, في مايو, تأخر دخول الجيش الاردني الى القدس حتى وقوع ما وقع؟ وما يسأل عن القدس ويافا, يسأل عن طبريا وحيفا, وكل بلدة وقرية سقطت خلال هذا الشهر وفق المخطط الصهيوني المعروف بمشروع (داليت) ؟ نحن لا نسأل من اجل ان نحاسب, وان كان ذلك من حق امتنا وامانة الشهداء في اعناقنا.. ولكن من اجل معرفة الحقيقة, ولكي نطرح الاسئلة عما تلا تلك النكبة من نكبات.. وتلافيا لما قد يكون آت.

تعليقات

تعليقات