صرت له ندا: بقلم- د. خليفة علي السويدي

خلال الاسبوع الماضي جمعني القدر مع احد المعلمين ــ الذين لهم خبرة في الميدان التربوي بسبب عدد السنوات التي قضاها في الميدان, واطلاعه المستمر على آخر ما حوته المكتبة العربية والاجنبية من كتب ودراسات ــ خلال ذلك اللقاء تطرقنا إلى قضايا متعددة, وفي ثنايا الحديث اثنى الاستاذ الكريم على المقالات التي انشرها اسبوعيا في هذه الزاوية وبدى من حديثه اهتماما بكل ما اكتب, فما كان مني إلى ان علقت على حديثه بقولي: هذا بعض ما تعلمناه منكم, وكنت جادا في حديثي فهناك العشرات من المعلمين على أرض هذه الدولة كانوا هم من أسباب ما وصل اليه ابن الامارات من علم ومعرفة, فقد هاجر العديد منهم إلى هذه الدولة وضحى كثير منهم براحته وسكنه في مقابل نشر الوعي في هذه الارض, وبالذات يوم كانت مقومات الحياة في هذه الدولة في أولها, فأمثال هؤلاء يستحقون منا كل الثناء والتقدير وكذلك كل من سار على آثارهم وكان نشر الوعي والعلم هو من اهدافه الاساسية لتواجده في ارض الامارات الخيرة, بعد ان قلت له العبارة السابقة علق بقوله: (بل صرت ندا) . من الأدب العربي مدارسنا كانت وما زالت مكانا يتلقى فيه المتعلم الادب قبل العلم والاخلاق قبل المعرفة, لذلك كانت الوزارة المشرفة على هذا الامر تسمى بوزارة التربية والتعليم, فهي تهتم بالتربية قبل التعليم, ومن الادب العربي الذي حفظناه ومازلنا, مقولة: (من علمني حرفا صرت له عبدا) ويقصد بذلك قمة الادب التي تحدد العلاقة بين المعلم والمتعلم ولم يكن في خلد من وضع مثل هذه القواعد ان تقف هذه الامثال بين المتعلم وسعيه المستمر للحصول على الافضل والاحسن, فهل بامكان المعلم ان يشجع تلميذه لكي يكون افضل ممن علمه في الابداع والمعرفة؟ هذا هو السلوك الراقي الذي نتمناه من كافة المعلمين, وهذا الامر لن يخل من ادب المتعلم بل ان مكانة المعلم في نفس تلميذه سترقى, اكتب هذا الكلام لأنه وجد في الساحة التربوية من لا يساعد تلاميذه على الابداع, وبالذات في العلوم الانسانية فعندما يصحح المعلم ورقة التعبير في اللغة العربية, مثلا, ويقول للتلميذ ــ الذي احسن في التعبير عن رأيه ــ لو كان طه حسين هو الذي كتب هذه المقالة لما حصل على الدرجة الكاملة, واستاذ في الجامعة يقول لتلميذه ــ وقد احسن في الاجابة ــ هل تتحداني بهذه الاجابة أمام الطلبة؟ ومدرس آخر لا يتراجع عن موقفه بالرغم من اقراره بالخطأ خشية ان تتأثر مكانته العلمية, واخر لا يسمح بالحوار والنقاش أو ان يراجع في امتحان كتبه وقام بتصحيحه, كل هذه الامثلة وغيرها جعلت من المتعلمين والمعلمين يخلطون بين الادب والمكانة الراقية للمعلم في نفوسنا وبين دور المعلم في الارتقاء بالتلميذ حتى يراه في يوم من الايام ندا له أو ربما يفوقه في الاداء العلمي والعملي. مكانة المعلم اهتم التربويون كثيرا بالعوامل المساعدة على بقاء مكانة المعلم راسخة شامخة في قلوب المتعلمين وتؤكد الدراسات على بعض النتائج اللطيفة التي لو التزم بها المعلم لما تأثرت مكانته, والطريف في الامر, ان جل هذه الدراسات لم اجد فيها ما يؤكد ان الغلظة والشدة والعنف من العوامل التي ترقى بمكانة المعلم ولعلي اشير هاهنا إلى بعض النتائج العلمية التي بينت من هو المعلم الكفء: 1ـ السمات الشخصية: تؤكد الدراسات العلمية وجود العديد من السمات التي ترقى بشخصية المعلم في نفوس الطلبة, ومن هذه السمات, دقة المواعيد, والتحكم في انفعالاته, واللياقة في الحديث, والتعاون مع الآخرين, وقبول آرائهم بصدر رحب, وحسن معاملة الطلبة, والمساواة بينهم, الثقة بالنفس, وكذلك حسن المظهر, ولعلي اختم هذه السمات بما يؤكدها فيما رواه عالم التربية برهان الدين الزرنوجي, في كتابه (تعليم المتعلم في طريق التعلم) , قال أبوحنيفة لاصحابه: (عظموا عمائمكم ووسعوا اكمامكم) , وانما قال ذلك لئلا يستخف بالعلم واهله فالناس قبل ان يستمعوا إلى كلام المعلم يروا مظهره الخارجي, وفي الابتعاد عن الشدة والتوبيخ قال الامام الغزالي حاثا المعلم على عكس ذلك: لأن التصريح يهتك حجاب الهيبة, ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف, ويهيج على الاصرار) . 2ــ الكفاءة المهنية: وهذه الصفات ترتبط بقدراته التدريسية والمهنية, فقد تبين ان الطلبة يميلون إلى احترام المعلم الذي تتوفر فيه سمات معينة لعل اهمها, تمكنه في مجال تخصصه واطلاعه الواسع بدقائق الامور فيه, اجادته لتخطيط التدريس بوضع الاهداف الواضحة وطرائق تحقيقها ومن ثم اساليب التقويم, ويضاف إلى ذلك القدرة على عرض موضوع الدرس بأسلوب شيق رابطا عناصره بأمثلة من واقع المتعلمين, وان تكون لديه القدرة على الابداع في أساليب التدريس مما يزيد من اهتمام المتعلمين بالمادة التعليمية, ومن ثم تفاعلهم معها ومن مميزات هذا المعلم قدرته على اشاعة جو من الاستقرار الانفعالي لدى المتعلمين فهم يحترمون فيه شخصيته العلمية ويتعاملون معه بكل حب دونما تجاوز للخطوط الحمراء الفاصلة. 3ــ السمات الاجتماعية: عندما نتحدث عن البعد الاجتماعي للمعلم نعيش بين قطبي الافراط والتفريط بين معلم خلط بين أهمية التواصل الاجتماعي بين المعلم والتلميذ واسرته, وبين استثمار هذه العلاقة في شيء من الاسترزاق خلال ما يعرف بالدروس الخصوصية, فماذا يتبقى للمعلم بعد ذلك من مكانة في نفس طلبته؟ وفي المقابل هناك من المعلمين العدد الكبير من الشرفاء الذين ابت عليهم كرامتهم السير في هذا الاتجاه, ولكن بعضهم أفرط حتى لم يكن له على الصعيد الاجتماعي علاقة تذكر, انه موقف صعب تلك الموازنة المطلوبة من المعلم, وقد ساعد في زيادة هذه المسألة صورة المعلم المغلوطة في الاعلام العربي, الذي مازال كالفأس تضرب في شخصية المعلم حتى أصبح مكانا للتندر والسخرية. ما لم تستطعه الاوائل لاشك ان للتجارب دورها في اعداد الجيل لتحمل مسؤوليته وللعمر كما يقال احكامه فالشاب من سماته العجلة والتحرق للأمور ولكن صاحب التجربة علمته الحياة دروسا جعلته يتميز بها عن غيره. الم تر أن العقل زين لأهل لكن تمام العقل طول التجارب ومن هنا لابد من أن يقوم السابقون بنقل تجاربهم للاحقين الذين عندهم العلم الحديث والمعرفة الجديدة لكنهم لم ينالوا حظهم من التجربة, وكذلك لابد من تشجيع جيل الشباب على تحمل المسؤولية بعد تدريبهم فهم مصدر خصب ولاشك لعلاج معظم مشاكل المجتمع التي هي بحاجة إلى دماء جديدة وحلول ابتكارية, وهذا ما نلمسه في قيادة العالم الجديدة, فالرئيس الامريكي الذي نجح في نقل بلاده من أزماتها الاقتصادية من جيل الشباب, وكذلك رئيس وزراء المملكة المتحدة, وحديثا مرشح الحكومة الروسية هو من جيل الشباب, فهل آن لنا ان نعد الجيل المقبل لتحمل المسؤولية, لقد بدأت المقال من المعلم لانه اول من يبدأ مع الانسان هذا المشوار بطريقة علمية والكلام نفسه موجه للمدير الذي نسي ان يعد من بعده للادارة وكذلك رئيس القسم والسلسلة تطول حتى ترجع مرة اخرى للاسرة التي هي نواة الاعداد, هذه دعوة موجهة إلى الاسرة والمعلم والمدير والمسؤول بأهمية العمل على اعداد الجيل المقبل ليكون افضل منا معرفة وخبرة اذا كنا جادين في دعوانا بحب هذه الدولة الرائدة, فالحب انما يكون في تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وهل هناك اكبر من مصلحة الوطن؟ ليكن ذلك شعار كل من سبق ذكرهم, واما الجيل المقبل فليحافظ على اخلاقه مع من كان له فضل تربيته وتوجيهه وتعليمه ومع كل ذلك فليهتف مع الشاعر: وإني إن كنت الاخير زمانه لآت بما لم تستطعه الاوائل وكيل كلية التربية *

تعليقات

تعليقات