قراءة في أحداث العالم: مائة أسبوع ويرحل القرن: بقلم - ميشال جوبير

معارك التحرير وما ادراك ما معارك التحرير, والعبد الذي يخاطبكم لم يحلم طوال حياته الا بمعارك التحرير, وكان بطعبه الساخر يكره المراوغة والتقليد والموضة التي تتشابه فيها الازياء ويتوق لفضاء ارحب وزمن افضل ... وأشد ما يبغضه الافكار الجاهزة والعصبيات, وقد كان العبد المتكلم شاهدا على أنين وطنه قبل واثناء وبعد الحرب حتى كأن الانين اصبح عادة وطنية, يشبه الأنانية المفرطة التي تجعل المواطنين يلجأون الى أحضان دولة راعية حانية حتى ولو امتلأت بالخيانات والتجاوزات. وكانت المحن ومسيرة الزمن تشكل على مدى قرن كامل المقاومة الاولى للوضع القائم مما وضع العقائد والمزايدات الفلسفية والاجتماعية على خشبة المسرح بما تحمله من عواصف وعواطف, فماذا بقي منها الآن؟ لاشيء يذكر الا ما يضعه الباحثون في رسالاتهم الجامعية والمحررون على أعمدة دورياتهم والاساتذة في قاعات تدريسهم, وهل يستحق شيء من هذا البقاء في النفس حتى ولو تسلحنا ببعض العاطفة والحنين؟ ان كل ذلك اصبح كوما من الاحلام والاوهام والاوراق, هشيما من اكاذيب المؤسسات الرسمية والاحزاب السياسية, الحقيقة ان المجتمعات الانسانية تأخذ منعرجات حادة ومفاجأة بالرغم من صانعيها ومواطنيها. ولعلها ذات صباح تجد نفسها متجددة او مغايرة بدون سابق اعلام, ورغم انف جيوش علماء الاجتماع والنفس واطباء الامراض العقلية الذين أحاطت نفسها بهم. أطياف الفاشية وفي هذا الابحار الأعمى, نجد ان النظام السياسي هو المؤهل اكثر للهزات والانواء, وامامنا أنموذج الجمهورية الخامسة التي تحتفل بيوبيلها الذهبي, وقد بلغت خمسين عاما لم تكن تأمل ان تبلغها واصبحت كعش للحمام متعدد المضاجع, عششت فيه عائلات مختلفة متخالفة ومنها من اصبح ينادي بتغييرات دستورية كأنما المس بفصول الدستور تحول الى دواء سحري للمشاكل المتواجدة والناشئة عن تراكم الانانيات المخفية, اما الضمير الشعبي فهو بعيد كل البعد عن هذه الساحة, ولكنه يتلقى الضربات الموجعة التي تعيده للماء كلما ظن انه اخرج رأسه ناجيا من الغرق. ووصلت الجمهورية الى درجة من الوهن والضعف لم تستطع الممارسات (الانتخابوية) ان تنقذها منها وان ترد لها اعتبارها وانتماء الناس لفضائلها التي هي غذاؤها ونسغها الطبيعي, وبلغ الامر في مجال اهتداء الدولة برجال السياسة الى مرحلة التصويت على قوانين لم يستطيعوا فرض احترامها على المواطنين, مما جعل أحزابا سياسية تطالب بضرورة تطبيق القوانين التي تحظى بتأييد الناس. وهنا لابد من التمييز بين ماهو حرص على احترام القوانين وماهو طيف من أطياف الفاشية. مشاكلنا الصغيرة وعذابهم الكبير أما في المجال الاقتصادي, فان الشجاعة كذلك خانت رجال السياسة والا لماذا تخلوا عن مسؤولية مصارحة الشعب بالحقائق وآثروا تمييعها في فلك أوروبا... وعوضا عن تصديهم لتقوية عملاتهم الوطنية قاموا بتخفيض قيمتها تماشيا مع مقتضيات الانضمام للعملة الموحدة (اليورو) . وهانحن اليوم بازاء دولة تتألم لما تسميه القطيعة الاجتماعية أو الكسر الاجتماعي دون ان تقدر بعد خمسة اعوام من معالجة قضايا أساسية مثل توفير مسكن لائق لكل اسرة او تنسيق ديناميكية وطنية لانجاز ذلك المكسب لأن الاستعداد الشعبي موجود ولا ينتظر الا تأطيره وتوجيهه, وفي الحقيقة فان مشاكلنا الصغيرة مهما عظمت لا ترقى الى مستوى العذاب الكبير الذي تعانيه أغلبية الانسانية, فالغرب يظل محظوظا, وتظل مشاكله نفسية طفيفة بازاء محيط من المصائر الصعبة والاقدار القاسية في العالم, وتعودنا على القاء المسؤولية على اشباح مجهولة تسمى الدول. وهانحن بعد ثلاثين عاما في مايو ,1968 نواجه نفس جمود المؤسسات والمجتمعات, وقد كان مايو 1968 تحررا متأخرا من قيود القرن التاسع عشر, وأمامنا مائة اسبوع فقط ليرحل القرن العشرون الى الابد, فهل نعلن مقاومتنا لاستعمار المجتمع المتحجر الجامد, الذي لا نجد فيه ذلك الأمل الصادق الطبيعي في الحياة, ذلك الأمل الذي يسمح بالابداع.

تعليقات

تعليقات