المبعدون العرب عن أوطانهم هل لمشكلتهم حل؟ بقلم - فايز سارة

صدرت مؤخرا احصائيات ومعطيات حول المبعدين عن اوطانهم في العالم, والذين يسميهم البعض بــ (اللاجئين) وهم موزعين بين جماعات وافراد. وقد تضمنت الاحصائيات والمعطيات بيانات عن اعدادهم وانتماءاتهم القومية والكيانات السياسية, اضافة الى انتماءاتهم الدينية والطائفية, كما بينت المعطيات اسباب بعادهم عن اوطانهم, والموزعة ما بين الاسباب الاجبارية القاهرة, وتلك التي تبدو اختيارية, وأوردت الاحصائيات سجلا بأهم البلدان التي غادرها المبعدون, وأهم البلدان التي اتجه اليها المبعدون, واستقروا فيها, كما بينت المزايا المختلفة لبلدان اقامة المبعدين, وميزت ما بين الحسن والأحسن, أو السيء والأسوأ, وهي بلدان تتوزع على قارات العالم الخمس, وان يكن بتفاوت في كل شيء. وطالما ان الموضوع بمعطياته واحصائياته, يمثل واحدا من اكثر مآسي العصر قسوة, فقد بدا من الطبيعي ان يشغل العرب حيزا مهما فيه, ذلك انهم بين اكثر الشعوب غلبة في عالم اليوم, وان لم يكونوا الوحيدين في هذا المجال, اذ تشاركهم في ذلك أمم وشعوب اخرى, تقع في دائرة الغلبة, وان يكن بدرجة اقل. والاشارة الرئيسية في موضوع المبعدين عن اوطانهم في العالم, كانت من حظ العرب, حيث اشير الى وجود نحو ثلاثة ملايين (لاجىء فلسطيني) يشكلون جملة من ترعاهم وكالة غوث اللاجئين الدول (أونروا) فيما تؤكد الارقام ان نحو ستة ملايين عربي فلسطيني موزعين في العالم دون جنسية يحملونها, أو وطن يضمهم بين جنباته, وهم يشكلون الرقم الحقيقي للمبعدين الفلسطينيين من وطنهم, وان كانت وكالة غوث اللاجئين (أونرو) لا تضعهم في سجلاتها, ولا تقوم برعايتهم. وبعيدا عن ارقام (أونرو) التي تشير فقط الى حالة جماعية عربية واحدة من اللاجئين او المبعدين عن اوطانهم. فإن في الواقع العربي حالات اخرى من اللجوء او الابعاد الجماعي او شبه الجماعي, وتبلغ بضع حالات, وفي الأهم من تلك الحالات, حالة اللجوء العراقية, والتي وان بدأت آلى دول الجوار الجغرافي, وشملت الاردن وسوريا وايران وتركيا في سنوات الثمانينات وربما قبلها بقليل, فإنها امتدت خارج الجوار الجغرافي, حيث تحول مئات آلاف العراقيين الى لاجئين ومبعدين عن وطنهم, وتوزعوا في عقد التسعينات على مختلف دول أوروبا وامريكا اضافة الى دول الجوار الجغرافي, والتقديرات الاكثر تواضعا في تقدير عدد العراقيين المبعدين عن وطنهم, تؤكد وجود ما بين ثلاثة وأربعة ملايين نسمة موزعين في مختلف المنافي, وان كانت سجلات الامم المتحدة, لا تضم سوى بضعة آلاف ممن تعتبرهم (لاجئين عراقيين) !. وفي كل الاحوال, فإن اسباب البعد العراقي عن الوطن, وحالة لجوء العراقيين الى بلدان اخرى معروفة الى حد كبير, وهي تنقسم الى شقين, الاول فيها جعل الابرز فيها جملة سياسات الحكومة العراقية وممارساتها ازاء مواطنيها, والشق الآخر هو ما خلفه العدوان الامريكي المستمر, والحصار الدولي على شعب العراق من ظروف استحالت معها حياة عدد من العراقيين داخل وطنهم, فأجبروا على الاندفاع خارجه. وانتقالا الى محطة اخرى في موضوع المبعدين او اللاجئين العرب, يمكن التوقف عند الحالة اللبنانية ــ والتي وان كانت لا تتضمن ابعادا ولجوءا بالمعنى الدقيق ــ لكنها يمكن ان تنضوي في هذا الاطار بصورة ما, ذلك ان ظروف الحرب الاهلية اللبنانية, وتطورها دفعت بقوة طرد هائلة نحو نصف مليون لبناني لمغادرة وطنهم الى بلدان العالم المختلفة, ورغم ان اكثرية اللبنانيين عملت واستقرت في بلدان الاستقبال, وحافظت على روابطها مع الاهل والوطن, فإن اعدادا من اللبنانيين, يعيش حياة للجوء في البلدان التي تتواجد فيها, وان كان من الصعب تقدير اعداد هؤلاء. وهناك حالة عربية اخرى, تمثلها حالة المبعدين او اللاجئين الصوماليين الذين اجتاحت بلادهم حمى الحرب الاهلية, فدفعت مئات الآلاف منهم الى مغادرة مدنهم وقراهم, وبعض هؤلاء غادروا الى بلدان الجوار الجغرافي حفاظا على حياتهم, وطلبا للأمن والغذاء بعد ان عز كلاهما, وبعضهم ذهب الى الابعد لاجئا الى مصر, وآخرين استطاعوا ان ينفذوا بطريقة او بأخرى الى دول خارج القارة الافريقية, والتقديرات تشير الى عشرات الآلاف ومثل هؤلاء وربما اكثر عدد المبعدين او اللاجئين الى دول الجوار, بفعل ما يحتاج جنوب السودان من حروب ومواجهات بين قوات الحكومة السودانية وجماعات المتمردين على الحكومة. ويقودنا واقع المحيط العربي ــ الافريقي في موضوع المبعدين واللاجئين الى الجزائر التي تعاني منذ سنوات حالة من حالات الحرب الاهلية, ويذهب ضحيتها ابرياء من المدنيين جلهم من النساء والاطفال الذين لا روابط بينهم وبين الجماعات المسلحة المعارضة, ولا مع جهاز الدولة وقوات الجيش والامن, وقد دفعت المذابح الجماعية, وحالة افتقاد الامن وعدم الاستقرار الى هجرات واسعة وبخاصة من العناصر الشابة الى الخارج, ورغم انه لاتتوافر احصائيات وارقام رسمية باعدادهم, فإن تقديرات كشفت, ان مئات الآلاف من الجزائريين شبه اللاجئين موزعين في انحاء العالم, يبحثون عن فرصة للاستقرار والعيش بحد مقبول. وبخلاف حالات المبعدين او اللاجئين العرب الجماعية او شبه الجماعية, فإن ثمة مبعدين او لاجئين من الافراد, ينتمون الى معظم البلدان العربية موزعين على عشرات من دول العالم في اوروبا وامريكا, بل وبعضهم يعيش (لاجئا) في بعض العواصم العربية, ووحدها القاهرة, تضم عشرات الآلاف من اللاجئين العرب, وربما تضم دمشق عددا مقاربا, وقد استقر بعضهم هناك منذ سنوات طويلة. ان من بين المبعدين او اللاجئين هؤلاء فعاليات سياسية, واقتصادية واجتماعية وثقافية من اعلى المراتب والمستويات العربية, من الذين غادروا بلدانهم او اجبروا على مغادرتها وسط ظروف سياسية او اقتصادية في اوقات سابقة. والقضية في المستويين, المستوى الجماعي او شبه الجماعي, او في مستواها الفردي, تبدو مهمة وحساسة, ويطرح واقع الحال العربي ضرورة معالجتها بما تحمله من بعد مأساوي مدمر في الحياة العربية حاضرا ومستقبلا. واذا كانت قضية المبعدين و(اللاجئين) الفلسطينيين ذات ابعاد دولية واقليمية تحتاج الى جهود المجتمع الدولي كلها, فان قضايا اللاجئين او المبعدين العرب الآخرين, تحتاج الى جهود اقل, بل يكاد معظمها يحتاج الى جهود الدولة والمجتمع المعنيين, وقد يحتاج في الابعد من ذلك الى تضافر جهود عدد من الدول العربية في اصعب الحالات, ومثال ذلك ان جهود الدولة العراقية, يمكن ان تؤدي الى حل وانتهاء قضية المبعدين العراقيين, من خلال ازالة اسباب هجرتهم النابعة من سياساتها, والامر في هذا ينطبق على الجزائر ايضا ولو بتعديلات معينة. ان الاساس في قضية المبعدين واللاجئين العرب, انما يكمن في تردي واقع الحال في البلدان العربية, سواء بسبب تردي الحالة السياسية, وما يتبعها من حالات قمع وارهاب, يتم تسليطها على مواطنين بسبب انتماءاتهم السياسية او الدينية وربما المذهبية او الاثنية, او بسبب تردي الحالة الاقتصادية وتدهور الحالة المعاشية لقطاعات معينة, بحيث لا يعود بامكانها احتمال العيش في وطنها, وتأمين الاحتياجات المادية الاساسية, او ان ذلك يتم نتيجة تدخلات خارج فجة وعنيفة, وبهذا المعنى فان للقضية جانبان او لهما عربي, وآخر دولي. وتقودنا هذه التحديات, للقول ان معالجة القضية في جانبها ممكنة ممك, بمعنى انه يمكن خلق ظروف عامة تسمح للمبعدين العرب بالعودة الى اوطانهم, بمن فيهم الذين لجأوا واستقروا في بلدان اخرى, ولعل الفاتحة في ذلك اجراء جملة تغييرات سياسية ــ اقتصادية من شأنها ان تصبح العودة الى الوطن ذات جاذبية, تعيد الذين غادروا الى وطنهم والى اهلهم, وسياسات كهذه, تبدو مسكنة, اذا توفرت ارادة سياسية لدى الحكومة العربية المعنية بقضايا المبعدين. ان مطالب العرب ودولهم بحل مشاكل المبعدين واللاجئين الفلسطينيين العرب والتي تبدو مسؤولية عربية ــ دولية مشتركة ينبغي ان تترافق بسعي جاد وعملي لحل مشاكل المبعدين واللاجئين العرب الآخرين جماعات كانوا او افرادا فإذا كان الهم العربي عودة الفلسطينيين الى وطنهم, فينبغي ان يتسع الهم من اجل عودة كل العرب الذين ابعدوا الى اوطانهم.

تعليقات

تعليقات