قضايا تصنع المستقبل: 18ابريل بين الأزمات الاسرائيلية والبشائر العربية: بقلم - رجاء جارودي

في محاضرة ألقيتها على منبر جامعة قطر بمدينة الدوحة في شهر ديسمبر 1996 قلت جوابا عن سؤال أحد الشباب الحاضرين حول أسباب كتابة ونشر وترويج (الأساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية) بأن يوم 18 ابريل 1996 كان يوما حاسما ورهيبا في حياتي كمثقف مسلم حين قام الجيش الاسرائيلي بسابق اصرار وترصد (كما ثبت ذلك في تقرير بطرس غالي) بمذبحة قانا وقتل الأطفال والنساء والشيوخ المحتمين بملجأ منظمة الأمم المتحدة. وذكرت لجمهوري الكريم آنذاك ان عملية ارهابية رسمية كهذه خلفت أكثر من 120 شهيدا تندرج في مخطط أعلن عنه شيمون بيرز قبل قدوم بنيامين نتانياهو لسدة الحكم. وكان ذلك في مؤتمر قمة شرم الشيخ حيث أشار في خطابه إلى ايران وإلى المد الاسلامي الرافض لاتفاقيات أوسلو ومدريد. وكان شيمون بيريز في الواقع يبرر مخططات المجازر التي تنوي اسرائيل انجازها للمزيد من بث الرعب لدى جيرانها ومن بينها مجزرة قانا الشهيرة يوم 18 ابريل 1996. وأنا أذكر الرأي العام العربي والاسلامي بهذه الذكرى بعد عامين من ارتكاب المذبحة حتى نجعل من يوم 18 ابريل من كل عام يوما للتضامن العربي الاسلامي, نتحاور فيه حول مصيرنا المشترك في ضوء المعطيات السياسية والحضارية المتجددة. وتأتي الذكرى الثانية لقانا هذا العام في مهب أحداث أخرى لها دلالات بعيدة المدى, ومنها استعداد اسرائيل للاحتفال بيوبيلها الذهبي أي الذكرى الخمسين لانشاء دولة اسرائيل. وتأتي هذه الذكرى واسرائيل تتساءل ما هي ومن هم الاسرائيليون وهل هناك فرق بين يهودي واسرائيلي وهو مما يشير بوضوح إلى أن هناك أزمة هوية قوية تعصف بالمجتمع الاسرائيلي. وقد صدر عدد خاص لمجلة (لونفل أوبزير فاتور) الاسبوعية الفرنسية وصاحبها ومديرها هو (جون دانيال) فرنسي من أصل يهودي ويحمل هذا العدد (1740 - من 12 إلى 18 مارس 1998) عنوانا كبيرا للملف الاسرائيلي هو (اسرائيل في خطر) وكذلك (اسرائيل مهددة من الداخل أيضا) وتضافرت جهود أقلام مثقفين ومثقفات يهود فرنسيين وفرنسيات لبيان هذا الخطر الثاني الذي يهدد وجود اسرائيل ألا وهو الخطر الساحلي. تقول الكاتبة اليهودية (جوزيت أليا) انه في يوم اليوبيل الذهبي حين يطفئ الاسرائيليون شموعهم الخمسين سيشعرون بخوف عميق من المستقبل لان عملية السلام تتعثر, ونحن نريد أن نعرف أين نذهب وأين نسير؟ فهل نحن دولة علمانية أم دولة دينية؟ وهل اسرائيل دولة يهودية أم لكل مواطنيها؟ وهل ستلتفت اسرائيل نحو الغرب أم نحو الشرق؟ ويمضي الملف مستعرضا سلوكيات شاذة ومتطرفة للحاخام (أوفادليا يوسف) الذي يمنع حك الأنف يوم السبت أو حاخامات الارثوذكسي الذين يواصلون إلى اليوم في خطبهم الدينية توجيه سيل من الشتائم لاسحاق رابين وشيمون بيريز. أما الصحفي (هنري غيرشون) فقد خصص الصفحة 9 من الملف للحديث عن عملية انهيار داخلية تمس هيكلة (تساحال) أي الجيش الاسرائيلي وصورته الباهتة لدى الرأي العام في الداخل والخارج حيث أصبحت قضية الحوافز الوطنية والدينية والنفسية المفقودة تقض مضاجع قيادة أركان (تساحال) ويؤكد هذا الصحفي ان جنود الاحتياط لم يعودوا يستجيبون بسرعة لنداء القيادة وكذلك أغلب الشباب الاسرائيلي يتهرب من الجندية, ولم يبق مواظبا على التجنيد إلا شباب المدارس اللاهوتية والتوراتية التي تمولها أحزاب (شاس) و(كاهانا) والحاخامات وبخاصة في مدينة القدس الغربية. وقد ظهرت أزمة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بجلاء منذ أسابيع حين حوكمت مجموعة من الشباب المجندين أمام محكمة عسكرية بتهمة العصيان في مرتفعات الجولان وعقد أولياء أمورهم مؤتمرا صحفيا للتنديد بما يتعرض له أولادهم من عنف وقسوة, ودارت المحاكمة لتطلق سراح المجندين وتحكم على الضباط بممارسة العنف. وفي هذا الجو من الشك والتذبذب, تأتي من داخل اسرائيل أصوات تطالب بمراجعة تاريخ اسرائيل - بل وتستعمل نفس البراهين التي حوكمت من أجلها في باريس أنا شخصيا - ولتقول انه آن الأوان بعد نصف قرن من انشاء الدولة العبرية أن نكف عن العدوان ونمد أيدينا للفلسطينيين وللسلام. ومن هذه الأصوات كبير ما يسمى مدرسة التاريخ الجديد (بيني موريس BENNY MORRIS) استاذ التاريخ في جامعة بن غوريون في بئر سبع والباحث في مركز ترومان بالجامعة العبرية بالقدس, وهو يفند في ملف مجلة (لونفل أوبريز فاتور) النظرية التاريخية الرسمية الاسرائيلية القائلة بأن العرب والفلسطينيين لم يكونوا أنصار سلام عام 1948 وانهم بدأوا بالحرب وبأن سكان فلسطين غادروا منازلهم بمحض ارادتهم أو بتحريض من الدول العربية. ويقول (موريس) بأن المؤرخين اليهود كتبوا التاريخ إلى يومنا هذا لا بعقلية البحث العلمي الأمين بل بذهنية العقيدة الدينية المتعصبة. أما زعيم حركة السلام الاسرائيلية يوري افنري فيؤكد بأن المجتمع الاسرائيلي يعيش حالة مرضية - من المرض - تدعى انفصام الشخصية وبأن ذكرى اضطهاد النازية لليهود عوضت لديه عقيدة الديانة اليهودية. وسأواصل في مقال قادم بيان هذه العواصف الفكرية والحضارية التي تهب على اسرائيل, على خلفية الكفاح الوطني العربي المسلم في جنوب لبنان والذي بدأ يؤتي أكله الطيب إن شاء الله.

تعليقات

تعليقات