جان ماري ... والآخرون: بقلم - د. محمد مخلوف

منعا لأي التباس: (جان ماري) هو (جان ماري لوبن) زعيم حزب الجبهة الوطنية الفرنسية اليميني المتطرف... و(الآخرون, هم ما تبقى من القادة السياسيين) التقليديين الفرنسيين . لم يتردد جان ماري في ان يصف على شاشة التلفزة, الحديث الذي توجه به الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الفرنسيين بعد اعلان نتائج الانتخابات المحلية والاقليمية الأخيرة التي جرت في نهاية شهر مارس 1998 بأنه حديث (تافه وكاذب) . لم يكن جان ماري عند وصول الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران إلى سدة الرئاسة في فرنسا عام 1981 سوى (نكرة سياسية) وصوت خافت في جوقة السياسيين.. وبالتالي لم يكن ذا قيمة أو أثر كبير ما يقوله ويصرح به. فما الذي حدث ما بين 1981 و1998؟! باختصار شديد لقد قفز جان ماري لوبن إلى واجهة العمل السياسي الفرنسي (بفضل) الرئيس الراحل فرانسوا ميتران و(بسبب) الأزمة المزمنة التي تعيشها فرنسا مع تفاقم أزمة البطالة وما ينتج عنها ويرافقها من مشاكل. في عام ,1981 شرع الرئيس فرانسوا ميتران بعملية سياسية مدروسة بدقة. لقد أخرج اليمين الفرنسي المتطرف من (قوقعته) الصغيرة التي لم تكن تجمع من أصوات الناخبين الفرنسيين إلا نسبة لا تتجاوز 1%. كما دلت العمليات الانتخابية المتنوعة التي جرت طيلة سنوات السبعينات, ودفع بهذا اليمين باتجاه مركز الفعل السياسي بهدف اضعاف اليمين التقليدي, الخصم التاريخي لليسار. كيف؟. عبر قاعدة حسابية شديدة البساطة طبقها الرئيس ميتران البارع في فن الجمع والطرح وخاصة (الضرب) السياسي. هذه القاعدة تقول بان طرح أي (كم انتخابي) من رصيد خصومه في اليمين التقليدي يصب (واقعيا) في رصيده ساعة صناديق الاقتراع. بالمقابل لم يترافق تضخيم دور اليمين المتطرف مع أي تنازل على صعيد البرامج السياسية المطروحة. على العكس, لقد ازداد الخطاب اليساري جذرية في هجومه على الايديولوجية اليمينية المتطرفة وأصبح جان ماري لوبن شبيها بـ (دراكولا) مصاص الدماء. ضمن هذا السياق من الأفكار تقفز إلى الذاكرة الثنائية التي سادت لفترة في ظل حكم الجنرال شارك ديجول الذي دفع الشيوعيين إلى واجهة العمل السياسي بحيث أصبح المشهد السياسي الفرنسي منقسما إلى ديجوليين وشيوعيين إلى درجة ان الكاتب الفرنسي الكبير, والوزير الديجولي, آنذاك, اندريه مالرو, قال في تصريح مشهور له: (بين الشيوعيين وبيننا لا توجد أية قوة أخرى) . وبالتالي هل أراد الرئيس ميتران أن يعمل على تهميش اليمين التقليدي, كما همش ديجول الاشتراكيين, بحيث تصبح المعادلة الجديدة هي: (بين اليمين المتطرف وبين الاشتراكيين, لا توجد أية قوة أخرى) ؟!. وهل يدفع الرئيس جاك شيراك اليوم (فاتورة) تصفية حسابات قديمة؟. كانت حسابات الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران صحيحة على مستوى (الكم) الانتخابي, لكنها قد تترك آثارا خطيرة جدا على المستوى السياسي والاجتماعي الفرنسي وعلى صورة فرنسا في العالم. وفي افق انقاذ هذه الصورة تحديدا طالب الرئيس جاك شيراك بضرورة تحديث الحياة السياسية الفرنسية, مما يعني في السياق الفرنسي الراهن أمرين أساسيين: الأمر الأول هو دفع الفرنسيين للمشاركة أكثر في العمل السياسي. ذلك ان نسبة الذين قاطعوا الانتخابات الأخيرة قد وصلت إلى 42% من أصوات الناخبين, أي ان حزب المقاطعين هو أكبر الأحزاب السياسية الفرنسية وان الأغلبية الحاكمة, أية أغلبية كانت, لا تحكم سوى بنسبة حوالي 20% من الأصوات؟! أي انها لا تمثل سوى خمس الفرنسيين. الأمر الثاني هو تقليص دور اليمين المتطرف بحيث لا تعود الحياة السياسية الفرنسية عامة وقوى اليمين التقليدي خاصة أسيرة لهذا اليمين المتطرف, وضمن هذا المنظور قرر الرئيس الفرنسي جاك شيراك اللقاء بجميع قادة الأحزاب السياسية في فرنسا, باستثناء جان ماري لوبن زعيم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف, للتشاور معهم في كيفية (اصلاح) الجمهورية عبر (تعطيل) آليات تقدم اليمين المتطرف الزاحف. لقد كانت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة, وما ترتب عليها, بل وخاصة ما ترتب عليها بمثابة ناقوس خطر حقيقي. فحصول اليمين المتطرف على نسبة تزيد على 15% من أصوات الناخبين وفوزه بعدد من المقاعد في مجالس المحافظات على أساس صيغة التمثيل النسبي المتبعة في هذه الانتخابات سمح له بأن يتحكم بانتخابات رؤساء المجالس في العديد من المحافظات. هنا برز السؤال التالي: هل سيقبل ممثلو اليمين التقليدي الاعتماد على أصوات اليمين المتطرف للفوز برئاسة المجالس أم سيرفضون؟. باختصار شديد, ودون الخوض في تفاصيل التحالفات والمساومات الشبيهة أحيانا بالمسلسلات التلفزيونية, رفض البعض واستقالوا مباشرة بعد انتخابهم بدعم أصوات اليمين المتطرف وأصر آخرون على فوزهم القائم على شرعية الانتخابات مهما كان مصدر الأصوات. ومن بين هؤلاء الذين أصروا شارل ميون الذي أثار قبوله بأصوات ممثلي اليمين المتطرف زوبعة حقيقية في الحياة السياسية الفرنسية, ذلك انه شخصية سياسية معروفة ووزيراً سابقاً للدفاع في حكومتي آلان جوبيه الاولى والثانية, واحد الاصدقاء المقربين من الرئيس جاك شيراك. اخطر ما ترتب على الانتخابات الاخيرة كان افق التعاون بين اليمين التقليدي (الجمهوري) واليمين المتطرف, البعض اطلق على هذا التعاون صفة (الزلزال) وكان ذلك بالفعل زلزالاً على مستوى القوى السياسية اليمينية التقليدية التي قد تشهد انهيار احد مكوناتها الرئيسية, اي الاتحاد من اجل الديمقراطية الفرنسية الذي اسسه الرئيس السابق فاليري جسكار ديستان والذي كان يشكل الشريك الرئيسي الى جانب الحزب الديجولي في الاغلبية الحاكمة السابقة. رئيس الجمهورية جاك شيراك, وادراكاً منه لخطورة الوضع, قرر (الخروج عن تحفظه) حسب تعبيره والنزول الى الحلبة, لقد وصف حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف بأنه (عنصري ويرفض الآخر) ومقولة رفض الآخر يمكن ان تكون مبرراً (قانونياً) لحظر نشاطات ذلك الحزب فالاعتراف بالآخر وليس رفضه, يشكل احد الاسس الرئيسية للثقافة الديمقراطية الغربية, لكن هذا يطرح بالمقابل اشكالية عميقة فهذه الثقافة تقول ايضاً بقبول نتائج صناديق الاقتراع مهما كانت توجهاتها. أو ليست صناديق الاقتراع هي التي كانت وراء تعاقب حكومات يمينية ويسارية على فرنسا ووراء فترتي تعايش بين رئيس اشتراكي هو فرانسوا ميتران ورئيس حكومة يميني هو جاك شيراك ثم بين الرئيس جاك شيراك اليوم ورئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان؟ والرئيس جاك شيراك يدرك هذا اكثر من غيره, اشهر الفاشيات الاوروبية الحديثة, اي النازية الالمانية والفاشية الايطالية وصلتا الى السلطة عبر صناديق الاقتراع. هتلر وموسوليني هما انتاج (ديمقراطي) انتخابي من هنا تعالت اصوات كثيرة تطالب رئيس الجمهورية بضرورة اتخاذ الاجراءات الكفيلة بكبح نشاطات حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف باسم المحافظة على مبادىء الجمهورية, ذلك ان افق وصول اليمين المتطرف الى السلطة باسم الديمقراطية يعني بكل بساطة انتحار هذه الديمقراطية. على جهة رئيس الوزراء ليونيل جوسبان الذي خاض معركة الانتخابات التشريعية الاخيرة التي اوصلته الى السلطة في مطلع يونيو من عام 1997 تحت شعار (اليسار متعدد القوى) يبدو انه حريص على خوض المعركة الرئاسية المقبلة عام 2002 تحت نفس الشعار.. ويبقى اليمين المتطرف بنسبة 15% من اصوات الناخبين مفيداً له انتخابياً.. فهل يقبل هذه اللعبة الخطيرة؟! ضمن هذا السياق قد لا يكون من المغالاة القول بأن فرنسا مريضة بـ(يمينها المتطرف) والمسألة تتعدى في الواقع صناديق الاقتراع لتطال ميدان المبادىء والفكر فاليمين الفرنسي التقليدي (الجمهوري) منقسم على نفسه بين تيارين عريضين يقول احدهما بأن اليمين التقليدي واليمين المتطرف يتفرعان من نفس (الجذع اليميني) وبالتالي تتم المطالبة بتوحيد جميع فصائل اليمين, اما الحجة السياسية المقدمة فتتمثل في القول بان اليسار يحكم فرنسا اليوم باسم (اليسار متعدد القوى) الذي يجمع (فصائل اليسار) , ويضم الاشتراكيين والشيوعيين والخضر وحركة المواطنين تحت شعار (الجذع اليساري) المشترك. التيار الثاني يرى باستحالة الجمع فكرياً بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف اذ كيف يمكن الجمع بين الديمقراطية والفاشية, بين انصار اوروبا الموحدة ودعاة تمجيد الامة الفرنسية, بين ورثة الجنرال ديجول وورثة المارشال فيشي؟! وبالاعتماد على عدم امكانية هذا الجمع بين متناقضات يطالب انصار هذا التيار بالمقاومة.. وتعبير المقاومة هذا يجد مرجعيته مباشرة لدى الفرنسيين في مقاومة الاحتلال النازي. واليسار منقسم ايضاً بين اولئك الذين يؤيدون (اللعبة مع الشيطان) طالما انها تصب بصالحهم (انتخابياً) وبين الآخرين الذين يرون بان الافراط بهذه اللعبة قد يمهد الطريق امام وصول (نازية فرنسية) الى السلطة على غرار الدور الذي لعبه اليسار المتطرف في المانيا بوصول هتلر الى منصب المستشار الالماني, هذا فضلاً عن رفض شرائح كثيرة لأي تعامل مع اليمين المتطرف. امام معادلة الفوز او الهزيمة في الانتخابات لهذا المرشح او ذاك, يميناً او يساراً, حسب ارادة اليمين المتطرف ونسبة 15% من الاصوات التي تؤيده وجد اليمين (التقليدي) واليسار (التقليدي) بانه لا بد من التوجه نحو شرائح انتخابية جديدة يمكنها ان تسمح بالفوز, خارج اليمين المتطرف, بأغلبية للحكم.. وهذه الشرائح موجودة تحديداً فيما يسمى بـ (الوسط) وحول هذا الوسط تتوجه الشهية الانتخابية للقوى الفرنسية التقليدية اليوم. ولكن وفيما هو أبعد من حسابات اللعبة الانتخابية كلها, والتي يمكن (التلاعب) بقواعدها لمنع تمثيل اليمين المتطرف في مختلف المجالس المنتخبة هناك مثلاً نائب يميني متطرف واحد في الجمعية الوطنية الفرنسية مع 15% من اصوات الناخبين مقابل حوالي 30 نائباً شيوعياً مع اقل من 10% من الاصوات, وفيما هو ابعد ايضاً من اليمين واليسار والوسط, هناك عدة معضلات لا بد لفرنسا من التصدي لها وفي مقدمتها البطالة والأمن. ان استمرار هذه المعضلات يعني بأن (جان ماري) او من سيخلفه, سيجد دائماً آذاناً صاغية لدى نسبة هامة من الفرنسيين مهما رفع الآخرون من شعارات. انها حكاية ذنب الافعى ورأسها..!

تعليقات

تعليقات