إسرائيل وأزمة الهوية: بقلم- هيلينا كوبان

تصدر مكتب إيتان هابر الخاص الذي يقع في الطابق الثالث عشر في أحدث أبراج تل أبيب, صورة ضخمة لرئيس الوزراء الراحل اسحاق رابين. يجب الا يدعو هذا الى الاستغراب وخصوصا ان رابين كان بالنسبة لهابر وعلى امتداد ثلاثة عقود بمثابة البطل والقدوة. عندما انتخب رابين رئيسا للوزراء عام ,1992 وقع اختياره على هابر ليكون المنسق لجميع مسارات محادثات السلام التي انطلقت من مدريد. أما الجدران الاخرى في مكتب هابر فمغطاة تقريبا بصور تمثل (اسرائيل الجديدة) التي استطاع رابين ان ينجزها من خلال النجاحات التي حققها في مفاوضات السلام. فهناك صور موقعة لرابين مع الملك حسين, وحسني مبارك, وياسر عرفات, وبيل كلينتون, ووارن كريستوفر وفرنسوا ميتران وهليموت كول وسلطان عمان, وفي كل من هذه الصور يظهر هابر بشعره الاشيب واقفا وراء رابين. وفي الطابق العاشر من نفس البناء, حيث يشرف هابر على ادارة (مؤسسته الاستشارية) تقع مكاتب السفارة الاردنية التي ترمز بالاضافة الى الابنية التجارية الفخمة التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية نتيجة لانتعاش الاستثمارات الاجنبية في اسرائيل, الى مدى الاستفادة التي حققتها اسرائيل من وراء الدور الذي لعبه رابين في عملية السلام. اضافة الى ذلك فان مدينة تل أبيب التي يزيد عدد سكانها عن مليوني نسمة (حوالي ثلث سكان اسرائيل) تشهد نشاطا تجاريا وفرصا للاعمال لم تكن موجودة قبل ست أو سبع سنوات. فعلاقات اسرائيل المزدهرة مع اليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا وروسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق ساهمت بدفع عجلة الاقتصاد الاسرائيلي ورفعت حجم تجارتها الخارجية. أضف الى ذلك الاعلام والاعلانات التركية المنتشرة في شارع الانبي, واعلانات الخطوط الجوية الملكية الاردنية عن رحلات سياحية باسعار منافسة الى منتجعات شرق آسيا عبر عمان. ان كل ما تشاهده في تل أبيب جاء بشكل رئيسي نتيجة للمكاسب التي حققتها اسرائيل من مشاركتها (مهما كانت جزئية) في (عملية السلام) . حتى أن السواد الاعظم من الناس الذين قابلتهم هنا عبروا عن اسفهم الشديد للركود الذي أصاب عملية السلام خلال العشرين شهرا الماضية. كما أن بعضهم تحدث بصراحة عن الدور الذي لعبته قيادة حزب العمل وبعض الاطراف العربية للحيلولة دون التوصل الى سلام شامل خلال السنوات الاربع الاولى عندما كان حزب العمل في السلطة. ولكن الواضح ان معظم الناس في تل ابيب نجحوا بالتأقلم والتعايش مع النتائج التي تمخضت عنها عملية السلام. وعلى عكس أوضاع اللاحرب. واللاسلام التي امتدت بين 1967 ــ 1991 يبدو أن غالبية الاسرائيليين ينعمون بحالة من الازدهار والرخاء. تلعب محطات الباص الرئيسية دورا مهما في المدن الاسرائيلية حيث ترتبط البلاد بشبكة واسعة لباصات شركة إيجد. ومحطة الباص الرئيسية التي تقع في جنوب تل ابيب ليست استثناء وخصوصا أنها تتألف من ستة طوابق ضخمة تحتوي على العديد من مراكز التسوق والمطاعم والمقاهي ومحلات بيع الاسطوانات والكتب والملابس الجاهزة والفلافل والهمبرجر. ويزدحم المبنى بشكل عام بالاسرائيليين الذين لا يملكون ما يكفي من النقود لشراء السيارات الخاصة والذين تغلب عليهم سمات اليهود الشرقيين الذين يحرصون على ارتداء القبعات الصغيرة التي تغطي أعلى الرأس او القبعات الكبيرة السوداء التي تميز المتشددين في المجتمع الاسرائيلي. أما الطلاب بشعورهم القصيرة وملابسهم الاوروبية فيتوافدون على محلات بيع الاشرطة المسجلة والاقراص المدمجة. ولفت انتباهي أيضا انه على عكس المجندات كان جميع المجندين الشباب يحملون بنادق نصف آلية. ولكني لم أر مدنيا واحدا يحمل سلاحا بالرغم من ان حمل السلاح يعتبر مشهدا مألوفا في مدينة القدس. وتمر أمامي مجموعة من الاولاد باللباس التقليدي الكامل لليهود المتعصبين والذي يتألف من البنطال الاسود والقميص الابيض وقبعة الرأس الصغيرة المصنوعة من المخمل الاسود والمعاطف الثمينة والاحذية الرياضية. وربما على عكس ما يتوقع أولياء امورهم فانهم بدلا من ارتداء القبعات الكبيرة السوداء وضعوها في اكياس التسوق التي يلوحون بها وهم يشقون طريقهم عبر جموع المتسوقين الى المحلات التجارية ولكن دون التوقف للتبرك بلمس نسخة (ميزوزا) من الكتاب المقدس الموجودة على جميع أبواب المحلات التجارية. من البديهي القول ان اسرائيل اليهودية تعاني من أزمة هوية مزمنة. منذ سنوات قليلة قام مصممو الاعلانات التجارية بعرض صور لنساء بملابس لا تتسم بالحشمة كوسيلة للترويج لمنتوجاتهم. ولكن الأمر لم يرق للجماعات الدينية المتعصبة وأعلنوا مقاطعتهم لجميع منتوجات هذه الشركات مما أجبر المعلنين على سحب الاعلانات من السوق. ولتشجيع المستهلكين على شراء البضائع الاستهلاكية دون إثارة غضب المتعصبين اصبح الاعلان السائد عبارة عن ولد حسن المظهر يرتدي القبعة السوداء الصغيرة على رأسه. ومن الأدلة الاخرى على أزمة الهوية التقرير الذي ورد في صحيفة هآرتز عن مدرسة ثانوية تضم النخبة من أولاد المهاجرين الروس. ويؤكد التقرير ان الشباب الروسي (يتمسكون بحضارتهم كدرع يقيهم من هؤلاء الصبارى (اليهود المولودون في اسرائيل) الذين ينزعون الى العدوانية في جميع تصرفاتهم كما يصفهم الطلاب من أصل روسي) . وتستنتج الصحيفة بناءً على مقتطفات من دراسة اجريت حول هؤلاء الشباب قائلة: (نتيجة لخيبة الامل باسرائيل, فان الحضارة والعادات والتقاليد الروسية عادت لتظهر بقوة في أوساط هؤلاء الشباب) . كما أعرب الكثير منهم عن رغبتهم بمغادرة اسرائيل بأسرع وقت ممكن, وأنهم سينخرطون في صفوف الجيش الاسرائيلي لأنها أحد افضل الفرص المتوفرة لتأمين معيشتهم وكمرحلة انتقالية للتحصيل العلمي الذي يعرفون انهم سيكونون بأمس الحاجة اليه اذا أرادوا اللحاق بالاعداد الكبيرة من الاسرائيليين التي لا تزال تتدفق على الدول الاوروبية.

تعليقات

تعليقات