تراجع الدولة العربية؟ بقلم - د. شفيق ناظم الغبرا

قبل سقوط الاتحاد السوفييتي كانت الدولة في كل من افريقيا وامريكا اللاتينية وآسيا وفي الشرق الاوسط تمثل قوة كبيرة وكانت قوة الدولة العربية بالتحديد تتشابه والدولة السوفييتية في امور عديدة : استخبارات قوية, جيش قوي لمنع الانقلاب وللاحتماء من الصراعات الخارجية, حظر على المعلومات وعلى الكتب, سيطرة مطلقة على اجهزة الاعلام, تحديد للاتصالات والاجراءات الاقتصادية بين الداخل والخارج بفضل القوانين الاشتراكية, تأمين الملكية الخاصة في الكثير من الدول العربية, وضع معوقات كبيرة امام انتقال الاموال والافراد, حالة متردية من الدول العربية, وضع معوقات كبيرة امام انتقال الاموال والافراد, حالة متردية على مستوى حقوق الفرد والانسان. كانت الدولة تمثل كل شيء وتنتشر في كل مكان وكانت الاخ الكبير الذي يعرف كل شيء والذي يحدد للمجتمع اختياراته وذوقه وتوجهاته وقراراته. لكن حركة العصر تغيرت, فمع سقوط اقوى الدول واكثرها مناعة, ومع سقوط تجربة الدولة الكبيرة المسيطرة المهيمنة في اقاليم عديدة من العالم (الاتحاد السوفييتي واوروبا الشرقية, تحول اوروبا الغربية الى الوحدة نتيجة عجز الدول الاوروبية في حل مشكلاتها) بدأت الدولة العربية هي الاخرى تفقد مناعتها وقوتها بل وبدأت تسلم خطوة خطوة جوانب اعتبرتها جزءا من حقوق السيادة. ان الدولة العربية فقدت الكثير في السنوات العشر الماضية وذلك بفضل تيارات التغير الدولية التي تنجلي تحت اسم: العولمة. ولو بدأنا في الاقتصاد الذي كان رمزا كبيرا للسيادة ولمواجهة الدول الاجنبية في الخمسينات والستينات لوجدنا ان الدول العربية اليوم اعلنت عن تراجعها الاقتصادي وعدم مقدرتها على تلبية احتياجات السكان, لهذا تنادي الدول العربية اليوم القطاع الخاص ليشاركها المسؤولية, اي انها تنادي الذي همشتهم في الستينات والذين اممت اراضيهم ومصانعهم ليساعدوها على حل ازمة البطالة وتردي الخدمات الصحية والتعليمية وخدمات النقل والمواصلات والتخطيط وصنع القرار. في هذا تعترف الدول العربية بخطأ مرحلتها الفائتة, ولكنها عندما تستدعي جزءا من الثروات التي هربت الى الخارج فهي مضطرة ايضا لتلبية مطالب والموافقة على حريات لم تكن لتقبل بها عندما كانت في اوج قوتها. الدولة العربية لا تستدعي هؤلاء فقط فأموالهم لا تكفي لحل ازمتها بل انها تستدعي ايضا رأس المال الاجنبي بصفة مستثمر عالمي ليشارك في الانتاج او ليستثمر في الاسواق المالية وليشارك في اكبر المشاريع. في هذا انعكاس امين لحركة عالمية تتعلق بانتقال رؤوس الاموال وانتشارها ومساهمتها في اقتصاديات الدول. لقد بدأ هذا الاتجاه في دول العالم الاول وها هو ينتقل الينا الآن. وفي مجال الامن, تجد الدولة العربية ايضا انها غير قادرة على تأمين الامن إلا من خلال التعاون مع دول اخرى, والقبول بالانضمام لاتفاقيات دولية ومعاهدات ثنائية اقليمية ودولية. الامن الفردي الذي كان ممكنا بفضل معادلات سياسية كان ممكنا في زمن الثنائية القطبية, اما في عالم اليوم فالامن يتطلب الكثير من التنازل من جانب الدول. وتجد الامر نفسه في مجال التعامل مع حقوق الانسان ومع منظمات غير حكومية لها وجودها في كل مكان, وفي التعامل مع كل ما انشأته البشرية على الصعيد العالمي. اما في مجال الاعلام, فالدولة العربية التي كانت تعتم على كل شيء وتمحو كل صورة وتمزق كل كلمة تخالفها بدأت تقف عاجزة عن مواجهة عصر الفضائيات, فالبرامج تأتي من كل مكان, والصورة تأتي من كل فضاء, والاراء تصب من كل زاوية, والانتقادات تأتي من كل اتجاه. الفضائيات الجديدة تناقش كل شيء بطريقة لم يعتد العرب عليها, لهذا نجدها تغير الاذواق, تؤثر بالتوجهات, تعكس التغيرات, وتتحكم بتفاعل المواطن مع العالم المحيط به. في هذا العالم الجديد نجد دولا عربية كانت في الخمسينات تمنع عن مواطنيها فتح الراديو على اذاعة محددة لانها تهاجمها واذا بها اليوم تتقبل على مضض فضائيات تناقش, كل شيء هكذا تعزز مجال الاختيار للمواطن العادي فهو بامكانه ان يشاهد ما يريد وان يختار بين عشرات البرامج, وهذا يفرض عليه ان ينمي ذوقه الثقافي والسياسي دون ان يضطر لحضور برامج ثقافية موجهة تقيمها وزارة رسمية او مؤسسة رسمية. في هذا التطور انعكاسات داخلية كبيرة, بل حتى الاجهزة الرسمية اليوم بدأت تفكر في برامجها الثقافية والسياسية بضرورة تمثيل الرأي الآخر وذلك كوسيلة لجذب الجمهور الذي يمل من كل نقاش لا يوجد اختلاف ورأي آخر. اننا ندخل في عالم جديد يصعب التحكم بآلياته ويصعب على الدول ضبطه امنيا وسياسيا وفكريا واقتصاديا انه عالم شديد التحرك لا حدود لحركته ولعواصفه ولتياراته انه عالم ما بعد العصور. في عالمنا العربي هذا تتحرك الرموز ايضا لتترك الاثر, رموز الازياء ورموز الغناء رموز الاتصال من خلال الانترنت, ورموز الفضاء , رموز المال ورموز الاقتصاد, رموز الطعام ورموز الوجبات السريعة, رموز التسلية ورموز الثقافة, رموز السينما ورموز الدين والرفض ورموز الاستهلاك في هذا كله علاقات عبر قارات وشعوب, ومعها اجواء اختلاف وانفتاح بالوقت نفسه. ولكن قيمة كل الرموز انها مطروحة للاستهلاك في عصر خصص لهذا الاستهلاك, فالفرد العربي بدأ يستهلك الافكار والقيم والتكنولوجيا والملابس والادوات والوجبات السريعة والثقافة لا لتلبية حاجاته الاساسية بل لتلبية ما لا يحتاجه او لتلبية حاجاته النفسيه وحاجات خياله, انه يتطلع لمزيد من الاستهلاك المرتبط بذوق تحدده تجاوزات الدول في كل مكان. في هذا هناك مواطن عالمي تستهدفه الحالة العالمية وسياسة الاستهلاك التي تخطها ولا يمكن عزل الانسان عنها او عزل المجتمع عنها. لقد سقطت الجدران واعادة بنائها كما كانت في السابق سوف يعني افغانستان او جزائر او صومال, او يعني حالة فوضى وسقوط كأوروبا الشرقية. في هذا ستجد الدولة العربية انها تسير اكثر فأكثر نحو العالمية وستقبل بحرية الاختيار لمواطنيها بغض النظر عن عقيدة تفكير قادتها, بمعنى آخر الدول العربية ستفقد القدرة على انتاج الثروة بلا الانفتاح على الثروة في العالم وستفقد القدرة على انتاج الامن بلا الانفتاح على الامن العالمي وستفقد الاستقرار والاستمرارية بلا دور متميز اساسه حق الاختيار للفرد وللمجتمع. استاذ العلوم السياسية جامعة الكويت *

تعليقات

تعليقات