هل من خطر يتهدد الديمقراطية الهندية؟ بقلم - عادل محمد حسن

أثارت نتائج الانتخابات الهندية الأخيرة القلق لدى أوساط دولية واقليمية حول مستقبل الديمقراطية في أكبر الديمقراطيات في العالم. والسبب يعود الى فوز الائتلاف القومي الذي ضم 19 حزبا بزعامة حزب باهاراتيا جاناتا وتكليفه بتكوين الحكومة الهندية الجديدة. ولم تكن هي المرة الأولى التي يقوم بها هذا الحزب القومي الهندوسي بتشكيل الوزارة الهندية. فقد كلف هذا الحزب ولأول مرة في عام 1996 بتشكيل الحكومة الهندية, إلا أنها سرعان ما انهارت بعد 13 يوما من تأليفها بسبب التناقضات التي دبت في صفوف حلفائه. ولكن حزب باهاراتيا جاناتا استطاع الحصول على اصوات أكثر في الانتخابات الأخيرة مما أهله لتشكيل حكومة أكثر ثباتا من سابقتها. إن قلق العديد من المراقبين في الهند وخارجها يعود إلى البرنامج الغارق في القومية الهندوسية الذي يؤمن به الحزب, والخوف من ان مثل هذه الحكومة قد تدفع بالعلاقات الهندية الباكستانية المتوترة اصلا الى مزيد من التدهور بما قد يؤدي الى اندلاع مواجهة ساخنة في شبه القارة الهندية. ولا يأتي هذا القلق من الفراغ. فحزب باهاراتيا جاناتا الهندوسي وجناحه الثقافي (راشتريا سوايامسيفاك سانغ) هما من اشد المطالبين باحياء التراث الهندوسي ومجده ومكانته المتميزة في السياسة والاقتصاد خلال العصور الغابرة. هذا التراث كان موجودا قبل فترة الغزو الاسلامي التي دامت ثمانية قرون وما تبعها من عهود السيطرة البريطانية التي دامت قرنين على شبه القارة الهندية. ويعتبر الحزب المذكور انه من الممكن توحيد الشعب الهندي بالاعتماد على هذا التراث. لا تعتبر الهندوسية, التي يؤمن بها أربعة أخماس الشعب الهندي, دينا حسب المعايير المعروفة في الأديان الأخرى. فالهندوسية ما هي إلا عبارة عن الايمان بالقبائل الآرية التي هاجرت الى الهند, والتمسك بالكتب المقدسة الأربعة المعروفة بــ (الفيدا) فحسب. ولكن هذه النزعة تصطدم بحقائق قائمة حاليا.فمع مرور الزمن, تنوعت العادات والآلهة التي يعبدها الهندوس في كل منطقة من مناطق الهند الشاسعة نتيجة للاحتكاك بمعتقدات وتقاليد اخرى. ان عدم التمركز هذا أدى الى نشوء جاليات واعتقادات هندوسية تتراوح بين الرهبنة إلى عبادة آلهة الوفرة, ومن التسامح وعدم العنف اتجاه النوع الانساني الى الفداء به. اعتماد حزب باهاراتيا جاناتا على التراث الهندوسي الغابر يدفعه الى ان يعلن الحزب وببساطة في برنامجه عن سعيه (لتشكيل أمة واحدة وشعب واحد وثقافة واحدة) . ويشير الحزب الى ان هذه الثقافات التي يطلق عليها اصطلاح (هيندوتفا) تستوعب كل الأديان والمناطق واللغات الموجودة في الهند. وهنا يشم من هذا التوجه رائحة شوفينية تثير التساؤل والقلق في ان الحزب يسعى الى الادماج القسري العنفي للشعب الهندي في بوتقة واحدة وهو ما يتعارض مع واقع التعددية في بلد يتميز بتعدد اللغات والانتماءات الدينية والتنوع العرقي. تعود جذور هذا الحزب الى عام 1925. ففي هذا العام تأسست منظمة راشتريا سواياسيفاك سانغ (الجناح الثقافي حاليا) كقوة من المليشيات المسلحة للدفاع الذاتي. وشاركت المنظمة في الحركة الشعبية من اجل استقلال الهند التي كان في طليعتها حزب المؤتمر الهندي. ولكن المنظمة اختلفت مع المهاتما غاندي والمؤتمر في دعواته ضد العنف, واعتبروها نزعات مسيحية غريبة على المعتقدات الهندية. ويشير مؤسسو هذه الحركة الى ان جميع الآلهة الهندية تحمل السلام في نصبها المنتشرة في سائر انحاء الهند. كما ركزت الحركة هجومها على مهاتما غاندي باعتباره من دعاة التسامح والتعايش مع الجالية الاسلامية. وقلدت الحركة الحركات الفاشية الاوروبية من حيث اللباس الموحد لاعضائها وهو اللباس الخاكي. واقامت منظمات الفتوة والطلبة التي تشابه مثيلاتها في الانظمة الفاشية. كما ادارت العديد من المدارس والجمعيات الخيرية والصحية في مسعى لنشر نفوذها. وبعد الاستقلال عام ,1947 اندلعت المجابهة الدينية العنيفة بين الهندوس والمسلمين وأدت الى تقسيم القارة الهندية بين الهند وباكستان. وقتها طالب المهاتما غاندي بالسلام ووقف العنف, في حين قامت المنظمة الهندوسية باذكاء حمى العداء ضد المسلمين وقامت بحملات تطهير دينية. ولم تكتف بذلك بل قام احد اعضائها باغتيال الزعيم الهندي لمجرد كونه كان متسامحا ازاء المسلمين. وقامت الحكومة الهندية بحظر النشاط السياسي لمنظمة (راشتريا سوايامسيفاك) الهندوسية المتطرفة واعتقلت قرابة 17 الف عضو من اعضائها. ولكن مطاردة هذه المنظمة لم تؤد الى وقف نشاطها, بل دفعتها الى تشكيل حزب سياسي هو حزب (جان سانج) ولم يستطع الحزب في الفترة بين عام 1952 وحتى 1971 الا ايصال عدد معدود من ممثليه الى البرلمان الهندي. ولكن بعد تسلم انديرا غاندي رئاسة الوزارة الهندية لم تتبع ذات الاسلوب الذي اتبعه والدها في معالجة هذه الظاهرة الهندوسية المتطرفة. فقد توسلت غاندي فقط بالاجراءات العقابية. وهو ما وحد هؤلاء وزاد وزنهم في الشارع الهندي خاصة في ظل تعاظم المشاكل التي واجهت الهند وتراجع مكانة حزب المؤتمر في المجتمع. وهكذا اتحد حزب (جان سانج) مع عدد آخر من المنظمات المتطرفة لتشكل في عام 1977 حزب (جاناتا) , الذي سرعان ما دب الانشقاق فيه ليتشكل حزب جديد (بهاراتيا جاناتا) . هذا الحزب لم يحصل في انتخابات 1984 البرلمانية الا على مقعدين في البرلمان. ولكن مع اندلاع المواجهة الدينية بين المسلمين وقيام الهندوس بهدم احد الجوامع الاسلامية في عام ,1992 بدأ العد التصاعدي لمكانة هذا الحزب بين المواطنين وتحول الى حزب جماهيري. ومن المثير للانتباه ان نسبة 7% الى 16% من المسلمين الهنود قد صوتوا ايضا لهذا الحزب في انتخابات فبراير الماضي. وفسر ذلك على انه محاولة من المسلمين للتخفيف من اندفاع المتطرفين الهندوس ولتفادي هجومهم وانتهاكهم لحرمات المسلمين. والآن وبعد تسلمهم السلطة هل يستطيع هذا الحزب الهندوسي ان يحقق برنامجه القائم على الاصولية الهندوسية والتطرف الديني والتلويح بالسلاح النووي لجارته باكستان وتوحيد الهنود على اساس التراث الهندوسي وابعاد الغرباء عن الهند؟ هناك تناقض في نفس برنامج الحزب وتركيبته. ففي الوقت الذي يشير فيه الحزب الى العودة الى التراث الهندوسي, الا ان غالبية كوادره يبحثون عن طريق لتحقيق الحداثة في الهند لتلحق بركب التطور السريع في العالم. ولا يستطيع الحزب ايضا ان يصهر كل الشعب الهندي البالغ اكثر من مليار نسمة في بوتقة واحدة. فمثل هذا التوجه الذي من شأنه ان يجلب اصوات الهندوس, لا يمكنه ان يواجه ارادة اكثر من مائة وخمسين مليون نسمة من المسلمين القاطنين في الهند اضافة الى المسيحيين ومعتنقي الاديان الأخرى. اضافة الى ذلك فانه سيؤجج المشكلة الكشميرية وهو ما يهدد باندلاع حرب اهلية قد تعم كل القارة الهندية. كما ان شعارات اللجوء الى التطرف العرقي الآري التي يرفعها لم يجلب النجاح لهتلر في الثلاثينات فكيف بنا الآن ونحن على اعتاب القرن الواحد والعشرين. كما ان دعوة الحزب لاخراج الاجانب من الهند وتصفية الشركات المتعددة الجنسيات تتعارض مع حاجة الهند للتوظيفات الاجنبية والتكنولوجيا الاجنبية للارتفاع بقدرات الهند الاقتصادية وتوسيع تجارتها من اجل اشباع افواه الملايين الجائعة في المجتمع الهندي. ان خيار الحداثة والتسامح الديني والاثنى هو الذي يعين الهند على مواجهة الصعوبات ويخلق الاجواء السلمية والاقليمية المساعدة لعملية التنمية في الهند. اما التشبث بالتطرف وفرض نمط واحد من الفكر والتقاليد وبالقوة لا يعني الا ولوج الهند في منعطف خطير لا يحل مشاكلها بل يزيد من الصعوبات الجمة التي تعاني منها. ولابد ان تفرض حاجة الشعب الهندي على حزب باهاراتيا جاناتا وحلفائه التفكير مرات عديدة قبل السير على برنامجه الانتخابي. وسيفرض الواقع الذي تعيشه الهند على الحكومة الجديدة اعادة النظر بمنطلقات برنامجها والا فان العاقبة ستكون مريرة على الشعب الهندي وجيرانه.

تعليقات

تعليقات