أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

هي مزيج جميل من طعم الارض, ورحيق الوفاء, كتلة من الطيبة والذكاء, الشراسة ونقاء السريرة, مع اعتداد بالرأي لا تتنازل عنه بسهولة . تلوم نفسها دوما لعيب تراه ملازما, ذلك هو اندفاعها بالمحبة والثقة تجاه الآخرين انطلاقا من مبدأ متداول بين اهل هذه البلاد يؤكد ان (كل يرى الناس بعين طبعه) وعليه فالكل في نظرها (خيرون وانقياء) ! هذه التركيبة من الناس تعاني كثيرا, وتصطدم مرارا بقناعاتها وتقرر في الموقف الواحد التوبة النصوحة عن هذا الاندفاع لكنها دائما ما تسقط في امتحان التراجع وعدم الثبات على التوبة. عندما عرفتها لفت نظري فيها نقاء عينيها فقلت باصرار: اجمل ما فيك عيناك, ولم اكن اتغزل فيها بقدر ما كنت اقر حقيقة الداخل المفعم بالنقاء حتى آخر المدى. ومن ذلك اليوم وحتى اليوم, فان سنوات عديدة قد اضيفت لاعمارنا, وعندما (نقرر) ان نكبر كالآخرين, فاننا نشيخ من الداخل, الاجمل ان نترك الجميع يكبرون, ونبقى صغارا, نرسم منافي الطفولة بعيدا عن مواطن الشيخوخة, ونقل الكواهل وآهات المشاوير, وغبار السنين. اذا قررنا ان نستجير بمرافىء الطفولة لعقول الكبار, فاننا سنفاجىء انفسنا بامتلاك عقول حرة, ونظرة بعمق المدى, وقدرة عجيبة على التسلل الى اكثر الاماكن مناعة وتحصينا واغلاقا, نكتشف بأننا نستطيع ان ننفذ الى دواخل الآخرين ونلج مغارات الداخل بسرعة البرق, لنقرر بتلقائية طفل, فيما اذا كانت المغارة منجم ماس ام وكر لصوص! لا يتأسس الصدق فينا بهذا البهاء, الا اذا كانت دواخلنا بهية, ولا نمتلك لياقة التنقيب في المغارات الا اذا كانت نفوسنا بصلابة الماس, نحن فقط نحتاج الى ما يسمى بالذكاء العاطفي حتى لا نندفع بسذاجة ونقع بسهولة. الطبيبة الحاذقة حينما فحصت ابن صديقتي قالت لها بعد ان نظرت الى لسانه: ابنك يعاني من ديدان البطن! وباستغراب سألتها كيف عرفت؟ وبابتسامة الواثق اجابت: ألا تعلمين حقيقة ان اللسان يكشف امراض البطن, وان باطن الكف يكشف طبيعة الجلد وامراضه, وان العين بوصلة القلب وكاشفة حقائقه؟ ثم اردفت: وعيناك تقول بأنك طيبة جدا. فاذا استطعت ان تنظر الى عمق عيني شخص ما بارتياح فثق بنقاء داخله, وأمن جانبه, اما اذا لم تستطع فكن على ثقة بأن السوء الذي فيه قد حجز عنك الرؤية, ومنعك من التوغل بارتياح, وهنا انصحك بالابتعاد عنه فورا, وعدم التفكير في مصاحبته ابدا. حقا, ان الالسنة مغارف القلوب, وعيوننا مفتاح صحيح لخريطة الداخل بكل تضاريسه وتعاريجه, فاذا اردت ان تعرف من تصاحب فانظر الى عمق عينيه, واختبر راحة نفسك. هذه نصيحة, فتقبل ثوابها, لكننا لا نتحمل ما قد يترتب عليها وان كان من اسداها واثق تماما مما يقول.

تعليقات

تعليقات