مع الناس: بقلم - عبدالحميد أحمد

كل خلاف فلسطيني فلسطيني, مثل كل خلاف عربي عربي هو في النهاية في مصلحة اسرائيل, واذا استمر التوتر الحالي بين السلطة الفلسطينية وحماس والاتهامات المتبادلة وحملة الاعتقالات, فان اسرائيل تكون قد نجحت, ولو لم تخطط لذلك أو تقصد, في جر الطرفين الى بداية حرب أهلية, لو اندلعت لا سمح الله فانها كفيلة بقتل قضية فلسطين كلها الى الأبد . وفلسطين ضاعت منذ 50 عاما يحتفل العرب الشهر المقبل باغتصابها على ايدي العصابات الصهيونية, كما تحتفل اكثر منهم اسرائيل بخمسين عاما على قيامها كدولة, ولم يتبق من فلسطين اليوم سوى القليل من الأرض (والكثير من الأحزان والخيبات) يتفاوض عرفات وسلطته على الحصول على جزء منها برعاية أمريكية تصب في مصلحة اسرائيل فيذكرنا بالكريم على مائدة اللئام, الذي لن يحصل بعد الاهانات والمذلة سوى على عظم وفتات. والمفاوضات متوقفة أو انها عمليا منتهية بالشروط السابقة حيث نجح نتانياهو في قتلها, فيما تتقدم امريكا بمبادرة تقول الاخبار انها تعرض التفاوض على 13% وشوية اخرى من الأرض, وان اسرائيل مطلعة عليها ولا اعتراض عندها, بينما الادارة الامريكية نفسها تتكتم عليها وتحيطها بالغموض, ما يجعل الفلسطينيين أكثر من غيرهم يضعون ايديهم على قلوبهم وهم يدعون الله بالستر من الاكمة الامريكية وما وراءها. طبعا لا يحتاج الفلسطيني والعربي الى ذكاء خارق لمعرفة ما وراء المبادرة من هدف, فهي ترمي الى اعادة التفاوض بشروط جديدة وعلى مضامين جديدة أقل بكثير من شروط ومضامين أوسلو, على النحو الذي يريد نتانياهو وتتفهم دواعيه كالعادة واشنطن, فيصبح القبول بها تنازلا آخر يقدمه عرفات والسلطة في طريق التنازلات الطويل وفي طريق اضاعة الحقوق وما تبقى منها. ونعود الى صراع السلطة وحماس قبل ان نبتعد اكثر عما بدأنا به, فلا نعرف لماذا انبرت السلطة الى اتهام حماس بقتل الشريف, القضية التي فجرت ما بينهما من خلاف حالي, مع ان الشريف محسوب على الحركة وعضو بارز فيها, واذا كانت هناك خلافات داخلية في حماس بين اجنحة فيها وتصفيات دموية فالأجدر ان تقوم السلطة بدور الوساطة لحل الخلافات, لا بدور الشرطي الحالي, خاصة انها لم تستطع حتى الآن حماية ابنائها الفلسطينيين من هجمات المستوطنين ووحشيتهم, وكذلك بغرض تفويت الفرصة على اسرائيل التي اسرعت وبطريقة مسرحية مكشوفة للاشادة بموقف الامن الفلسطيني الذي تمكن من القبض على قاتل الشريف المزعوم. وبما ان السلطة تريد تصديق نفسها بأنها سلطة حقيقية على الأراضي والمدن التي تولت الامن فيها, فلها ذلك ولا اعتراض, خاصة انها تتعرض لضغوط امريكية واسرائيلية فيما يتعلق بالامن الاسرائيلي وتشكيك في مقدرتها على الحفاظ على الامن من أراضي سيطرتها إلا انها في صراعها مع حماس عليها عدم تصعيد الخلافات وحماية أمن الفلسطينيين بالحفاظ على وحدتهم اولا وعدم شق صفوفهم واعادة اللحمة قدر الامكان الى هذه الصفوف وتوحيدها كلما لاح فيها شق, وهو ما لا نراه في موقفها الحالي من حماس حيث تزيد الاعتقالات من التوتر وتشعل فتيل أزمة نرجو سرعة اطفائها. نقول ذلك لان أي خلاف فلسطيني فلسطيني يتطور لاحقا الى تصفيات وحرب اهلية هو اسوأ ما يمكن ان تواجهه القضية الفلسطينية في تاريخها, فاذا كانت هذه ضاعت منذ 50 عاما بالاغتصاب والقوة والقتل والمذابح, فان ما تبقى مرشح للضياع, ان لم يكن بالسلام الامريكي, الذي هو سلام الاقوياء المفروض على الضعفاء لا سلام الشجعان على الاطلاق, فبالاقتتال الفلسطيني, واسرائيل مستعدة لتزويد أطرافه بالسلاح.

تعليقات

تعليقات