الإرهاب مفهومة وأسبابه (2/2) بقلم- د.عادل القيار

يعكس الارهاب صورة عقيمة لاستراتيجية بشرية مارسها الانسان منذ بدء الخليقة لاسباب متعددة حاول بواسطتها فرض سيطرته على الاخرين لشكل او بآخر ببث الرعب بين صفوفهم اولا وباضعافهم ثانيا, ثم جعلهم مضطرين الى قبول الامر الواقع والتسليم به او بإستعمال نفس السلاح ضد مرتكبي العنف والارهاب اي اللجوء الى استراتيجية تجعل من الارهاب عنفا وعنفا مضادا, كما يذكر في هذا الصدد الكاتب الفرنسي المتخصص في شؤون الارهاب جان بيار ديرينيك في صحيفة اللموند الفرنسية, حيث يقول بإن (الارهاب) يرتكز على الاستعمال المطلق للعنف ببث الرعب باعتباره وسيلة عمل عشوائية وعاجزة وبالتالي عقيمة نظرا الى انها تهدف الى القضاء العشوائي على الاخرين الذين لا يملكون عندئذ الا استعمال نفس السلاح, اي العنف المضاد وبالتالي الارهاب المعاكس ثم الوصول الى العقم بأبسط واوضح معانيه. فما هو الارهاب وما هو مفهومه البشري ودوافعه وبالتالي نتائجه؟ يقدم المتخصصون في شؤون الارهاب تعريف هذا السلوك بإنه عمل (عدواني يخلو من اية عاطفة بشرية طبيعية يتميز بالجبن نظرا الى انه يتم الاعتداء على الاخرين بدون اخذ اي اعتبار لارادتهم وبالقوة المستندة على عامل المفاجأة باستعمال وسائل عنيفة وقاسية بدنية كانت او معنوية تهدف الى فرض السيطرة عليهم بالقهر الاجباري والقسري او غير المباشر. نرى اذا بأن جميع نقاط هذا التعريف تركز على مظاهر العنف وهي العوامل التي لا يمكن ان تعكس الوجه الخفي للضعف حيث ان العدوانية تعبر اساسا عن مظهر خارجي لنوع من التخوف او الشعور بالنقص الذي يعيشه مرتكب العنف نظرا الى عدم تمتعه بالشجاعة الكافية لمواجهة الاخرين, وهو ما يدفعه الى القضاء عليهم محاولا التخلص بذلك من قوتهم وارادتهم. وقد يكون من الملائم في هذا السياق التعمق في الارهاب بمحاولة مناقشة مظاهره الرئيسية التي تعتمد اساسا على العنف في جوانبها السلوكية اي مظاهرها الاستراتيجية. الارهاب والعنف قد يكون من المألوف القول بأننا نعيش اليوم في عالم يتميز بالعنف: الاعتداء على المسنين واختطاف الافراد ومهاجمة الاشخاص الضعفاء في الشوارع وفي منازلهم, هي اعمال اصبحت تمثل ظواهر شبه عادية نسمعها او نقرأها في وسائل الاعلام وخاصة في الدول الغربية مثلها مثل اعمال اختطاف الطائرات وحجز الرهائن التي اصبحت تعتبر اليوم أحداثا يتميز بها مناخ العنف السائد في العديد من مجالات الحياة. فهل نستطيع القول في مرحلة أولى بأن الارهاب هو الوجه الآخر لهذا العنف الذي ولد في المجتمعات الغربية ويهدد بالانتشار في العديد من البلدان الأخرى؟ قد يكون من الملائم القول بأن العنف يمثل نتيجة او نتائج ولدت وتطورت اعتباراً من هذا الوجه: التوترات الناشئة عن الحياة العصرية, خيبات الأمل أمام صعوبات المجتمعات المادية التي تخيم عليها المصالح الشخصية وغياب العدالة, الأزمات العائلية والتقييدات التي تمارسها القيم التقليدية البالية والرجعية وإنعزال الافراد...الخ ومع ذلك, فإن الارهاب بمعناه الاستراتيجي, يتجاوز الوجه الآخر للعنف المتميز بانتشار (موجاته المدنية) التي يتطرق اليها المتخصصون كمحاولة لإيجاد أسباب أولية له تنغمر في ردود أفعال تجاه صعوبات الحياة المدنية. فالإرهاب اليوم يرتدي حللا متنوعة تتمثل أهمها في الحلل السياسية وأهدافه أصبحت دقيقة المحتوى, وهو يستند على أعمال منظمة ترتكز هي الأخرى على استراتيجة محددة ان لم نقل استراتيجيات متنوعة. الارهاب والرعب: تدمج القواميس اللغوية تعريف مصطلح الارهاب ضمن سلسلة الاعمال التي تهدف الى توليد (الرعب) وإدامته. وهي تصنف الرعب كنتيجة مرافقة للإرهاب وتربط المفردتين سوية داخل سلوك عدواني متطور على إمتداد تاريخ الإنسان. فالإرهابيون هم أشخاص يبثون الرعب ويعملون على إدامة مناخ يسوده الرعب ضمن حرب تتجاوز أماكنها ساحات القتال التقليدية لتمتد وتشمل ساحات قتال مصطنعة تنحصر بداخلها كافة المجتمعات المدنية وتقييد حركاتها. ويحدد الكاتب جان سرفيه "Jean Servier" هدف الإرهاب بكونه سلوكاً (يجمع في طياته أعمال العنف المرتكبة من قبل فرد أو مجموعة من الأفراد ضد ضحايا يتم اختيارهم عشوائيا بهدف تأكيد قوة معينة وإرادة خفية ببثها التخويف والرعب الذي ما يلبث ان ينتشر بسرعة وتصيب عدواه كافة أصناف المجتمعات) وهو يعطي بهذا الصدد الأمثلة المستقاة من أعمال الإرهاب التي مارستها القوى المتصارعة خلال وبعد الثورة الفرنسية وعلى مختلف ساحاتها الدموية. وهو يحدد بالتالي استراتيجية الرعب بأنها تلك التصرفات التي تمارسها المجموعات الارهابية بهدف :( الحصول على قرارات سياسية واجتماعية بالقوة او بالتهديد وذلك بوضع الأراضي والمؤسسات أو فئة معينة من المجموعات البشرية أو كلها داخل جو ينعدم فيه الأمان ويولد فيه الرعب المتواصل الذي يؤدي الى تفكك السلطة نتيجة لعدم تمكنها من وضع حدد للإرهاب, والى تدمير هيكلية الدولة بتعطيل مؤسساتها عن العمل وبحيث ينتج عن ذلك فتح الطريق أمام الفوضى التي لا يمكن بدونها ان تصل حتى ولو الى جزء بسيط من أهدافها) . يعطينا هذا التحديد اذا خلاصة لاستراتيجية الارهاب المرتكزة على عاملي العنف وبث الرعب, فهي ومن خلال العنف وبث الرعب تصل الى هدفها المتمثل في خلق الفوضى الذي يسمح لعناصر الارهاب بالوصول الى انتهاز أية فرصة تسمح بها الظروف للاستحواذ على السلطة كهدف نهائي لإستراتيجيتها المرسومة. نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية جامعة السوربون ــ باريس*

تعليقات

تعليقات