مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

آلمنا كثيراً حادث الدهس الذي تعرضت له طالبة في رأس الخيمة في المرحلة الثانوية, فهو حادث غريب مقارنة مع بقية حوادث الدهس السابقة التي كان معظم ضحاياها من الطلبة والطالبات صغار السن في المرحلة الابتدائية عادة , إلا أننا سنعود لرعب الحادثة بعد أن نتحدث عن الشائعات التي تملأ البلد حول الحمى الشوكية, فهذه نشرت الرعب بين الأهالي والذي كان من نتيجته التدافع على التطعيم لدى العيادات الخاصة. ومع ان دائرة الصحة والخدمات الطبية في دبي وتلتها وزارة الصحة طمأنتا في بيانين في وقتين مختلفين الناس من عدم وجود أي أثر لهذا المرض, وأنه لا لزوم على الاطلاق للتطعيم ضده, وأن التطعيم عادة ما يحتاجه الذاهبون الى أداء فريضة الحج, إلا أن الناس تحب تصديق الاشاعات فيما يبدو, ليستمر بذلك التدافع على العيادات الخاصة للحصول على التطعيم الذي ارتفع سعره حسب الناس مرة اخرى أنفسهم من حوالي 50 درهما الى مائة فمائة وخمسين فمائتين وهكذا. المستفيد من هذه الاشاعة قطعا العيادات الخاصة التي رفعت أسعار التطعيم ولم تساعد الدوائر الصحية الرسمية على قمع الاشاعة برفض تطعيم الناس وتطمينهم, فعند هذه العيادات تحولت مقولة رب ضارة نافعة الى شعار عمل وتحول مصائب قوم عند قوم فوائد الى باب للرزق والربح الكثير, ما يدخل, لا في الاستغلال فحسب, بل في المساعدة على ترويع الناس ونشر الاشاعة ايضا, من دون ان تلومها الجهات الرسمية او تعاقبها حتى الان. والاشاعة نار تسري في هشيم عدم الثقة عند الناس, حتى ان الصحة المدرسية التي كان ضمن برنامجها تطعيم طلبة المدارس في هذا الوقت من العام ضد التدرن الرئوي واجهت معضلة الرد على الناس الذين حولوا هذا النوع من التطعيم الى تطعيم ضد الحمى الشوكية, ما يؤكد, لا قوة الاشاعة, بل عدم يقين الناس وقوة شكوكهم. والمطلوب ليس بيانات التطمين وحدها, على أهميتها, بل الشفافية ونشر المعلومات واتاحة الحقائق امام الناس عبر وسائل الاعلام وغيرها وعدم التكتم على أي معلومات ممكنة, بما في ذلك الحديث عن أي اصابات حدثت بشكل معزول, فنشر الحقائق وحده يدحر الاشاعات ويقمعها ويوقف من زحفها, ويعيد للناس اليقين والطمأنينة, وهو الدور المنتظر من المسؤولين الطبيين في البلاد والمعنيين بصحة الناس. ونعود الى حادثة دهس طالبة رأس الخيمة التي تألم لها كل من قرأ تفاصيلها امس, وتصور مع هذه التفاصيل حجم الآلام التي تكبدتها الضحية قبل مفارقتها الحياة والحزن الذي غمر أهلها لفقدانهم زهرة في ريعان شبابها والعذاب الذي ارتسم في عيون زميلاتها اللائي شاهدنها تزفر آخر أنفاس الحياة على الاسفلت الاسود امام مرآهن, ما يجعل منها حادثة قتل مروع ومخيف ومفزع. القتل طبعا غير مقصود على الاطلاق, لولا أن الاهمال تحول الى قاتل صامت مستمر ومشجب تعلق عليه حوادث الدهس مرة بعد مرة, اذ كيف يمكن لسائق ان يخطىء فتاة عمرها 18 عاما, حسب الخبر, فلا يراها أمام الباص, إلا إذا كان حجمها في حجم فراشة صغيرة لا ترى بالعين؟ ومع ذلك لا يمكن تجريم السائق وتحميله المسؤولية طالما ان القصد غير موجود, فمن يتحمل المسؤولية إذن؟ شخصياً أرى ان مؤسسة النقل التي كلفت بنقل الطلبة والطالبات من المدارس وإليها مسؤولة مسؤولية كاملة, نظرا لان حوادث الدهس من ناقلاتها تكررت على الاقل عدة مرات هذا العام وحده, اذا تجاهلنا حوادث الاعوام السابقة, ومع ذلك لم تحرك ساكنا لعدم تكرار هذه الحوادث والحفاظ على أرواح الطلاب, سواء بتزويد الباصات بمرشدين ومساعدين او بتدريب السائقين على حسن القيادة ومراعاة الطلاب وحسن التصرف, حتى مع وجود ضغط عليهم, كالعمل مثلا بين مدارس البنات والاولاد معا ونقلهم في المواعيد المقررة, مما يستوجب من المؤسسة وقفة حساب مع النفس أولا, وعلاج هذا الخطأ الجسيم ثانيا, وما بقي نتركه على الله, فالموت حق, لولا أننا لا نريد من باصاتنا ان تتحول من وسائل نقل الى وسائل قتل, فليس من اجل هذا نستخدمها.

تعليقات

تعليقات