حربا الثقافة والجنوب اللبناني: بقلم: د. أحمد القديدي

السبت حرب الثقافة بين فرنسا وأمريكا يمكن ان نضع اسما آخر للحرب الثقافية الضروس الدائرة رحاها بين باريس و... واشنطن... وفي الحقيقة بين باريس و... هوليوود, اقترح اسم الحرب بين فولتير وميكي ماوس, ذلك ان الشرارة لم تنطلق اليوم بمناسبة اتفاقية منظمة (لامي) اي منظمة الاتفاقية متعددة الجوانب حول الاستثمار, التي وضعت وجها لوجه نظرتين متضادتين للثقافة والفنون بين باريس وهوليوود, تعتقد (عاصمة النور) ان الثقافة ناتج حضارة وتؤمن الثانية (هوليوود) ومعها البيت الابيض ان الثقافة صناعة تكنولوجية أو صناعة ثقيلة هدفها مس اكبر عدد ممكن من الجماهير بقصة الترفيه, تقول فرنسا على لسان وزير ثقافتها: ستضيع ثقافة النخبة المبدعة, وتقول امريكا: انظروا إلى مداخيل شريط (تايتانيك) مليارات من الدولارات في كل قاعات السينما عبر العالم الواسع واحدى عشرة جائزة وتأثير عظيم على المخيلة الجماعية العالمية, لقد نجح (كومرون) مخرجه في ان يجعل كل اهل الارض مسافرين فوق باخرة (تايتانيك) , وحين نقول ان هذه الحرب قديمة فاننا نستشهد باتفاق سنة 1946 بين رئيس حكومة فرنسا (ليون بلوم) وكاتب الدولة الامريكي (جامس بايرنس) حول الاعانة التي ستقدمها امريكا لفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية, فقد تعطلت المحادثات بين الرجلين بسبب اصرار امريكا على تقديم مشروب كوكاكولا للفرنسيين مع عرض افلامها المنتجة في هوليوود, منذ نصف قرن وفرنسا منشغلة بقضية هويتها المهددة بالامركة, يقول (ايروين وول) استاذ بجامعة (ريفرسايد) الامريكية في كتابه (التأثير الامريكي على فرنسا) : (ان امريكا ترفع شعار الحركة الحرة للاعلام والانتقال الحر للصورة وهي في الحقيقة تريد تسويق قيمها ومناهج حياتها لفرنسا وتكسير الوقائية الفرنسية) . وتمطر الصحافة الامريكية فرنسا بالتهم: فباريس في نظرها مصابة بالهبوط في الدم الثقافي, مريضة بالبرد, خائفة من فتح الابواب, محافظة على الاوهام, متضايقة من ثقافة الجماهير, اما الصحافة الفرنسية وآخرها مجلة (لونوفل ابسرفاتور) عدد الرابع من مارس 1998 فتصرخ ضد ما تسميه (تشرنوبيل ثقافي امريكي) بعد (تشرنوبيل نووي روسي) , يجيب استاذ العلوم السياسية بجامعة (برنستون) الاستاذ عزرا سليمان قائلا: (على فرنسا ان تقبل بفكرة ومنطق عولمة الثقافة وان تفتح ابوابها للابداع الشعبي الامريكي بدون عقد) . يجيب الصحافي الفرنسي (جون فريدي) قائلا: (انه صراع غير متكافىء, بين جرة طين واناء فولاذي, لدينا الرقة والعبقرية ولديهم القبضة الحديدية) . المهم بالنسبة لنا كعرب ان نعرف عن هذه الحرب حتى نعد ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل في عالم يتحكم فيه غول الانتاج الجماهيري الذي لا يرحم الضعفاء وفاقدي الهوية والمهزومين. الاحد: الوعد الحق في جنوب لبنان في برنامج اذاعي معروف تقدمه اذاعة (بي بي سي) يديره ماجد سرحان خصصت نصف ساعة مساء السبت الماضي لموضوع جلاء قوات اسرائيل عن جنوب لبنان واستدعى للكلام العميد ميشال عون من منفاه الفرنسي والصحافي الاسرائيلي المستعرب شاوول منشة (من اصل عراقي) واحد الاعلاميين السوريين وكان الحديث ساخنا ومفيدا حول قضية الساعة اي امكانية جلاء اسرائيل عما تعتبره (حزاما امنيا) بشروط أو بغير شروط, هذه هي المسألة, لكن المهم الذي استخلصته من البرنامج هو ما قدمه اليهودي شاوول منشة من حجج ــ وانا كنت تحاورت في قناة الجزيرة مع هذا الرجل حول قضية جارودي منذ ثلاثة اشهر واعرف طلاقة لسانه بالعربية الفصحى ودهائه السياسي الذي يقدم للعرب السم في الدسم ــ قال شاوول فيما قال: لماذا لا يقوم اللبنانيون بما قامت به سوريا منذ احتلال الجولان؟, وسأله ماجد سرحان مستفسرا: وماذا فعلت سوريا؟, أجاب شاوول: ان سوريا حكيمة فقد احتللنا ارضها في الجولان ونحن نفاوضها منذ سنوات لكن الجولان منطقة آمنة بأتم معنى الكلمة ويسودها الاطمئنان والهدوء والسلام, والسوريون يفاوضون, بعكس جنوب لبنان الذي تنشط فيه (منظمات ارهابية...!) على حد قول شاوول, مثل حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي. هكذا تكلم شاوول منشة ليوضح الفرق بين المسألة اللبنانية والمسألة الجولانية حسب منطقه. وقدد حدد شاوول ــ واسرائيل ــ نقاط المفاوضة وهي: (أ) القضاء على المجاهدين الذين يحررون ارضهم من قبل الجيش اللبناني. (ب) ادماج الخونة من ميليشيات انطوان لحد في الجيش اللبناني. (ج) قيام الجيش اللبناني بتأمين حدود اسرائيل بدلا من الجيش الاسرائيلي. هذه الفلسفة جديرة بالتعريف حتى يقرأها العرب قراءة متأنية فيعرفوا اشياء كثيرة منها: (أ) ان ما اخذته اسرائيل بالقوة في الجنوب اللبناني بدأ يسترد بالقوة الاسلامية الوطنية. (ب) ان الجهاد الجولاني سيولد من رحم الشعب السوري البطل. (ج) ان ارادة الشعوب من ارادة الله سبحانه ولا مرد لقضاء الله, انه الوعد الحق.

تعليقات

تعليقات