أبجديات: بقلم- عائشة ابراهيم سلطان

نمسك بأول الخيط فاذا بنا نتمسك ببعضنا, ونرنو الى اخره فإذا على امتداده, يتأرجح عمر من الصحبة , والذكريات, وذاكرة قلوب تختزن الحب, وتعترف للاصحاب بشهي وجودهم, ومتعة اصواتهم في جنبات كل الامكنة والأزمنة التى مررنا بها . العمر بلا أصحاب, عمر حرثناه, يبست في أرض موات يبست ايامه قبل الأوان, العمر بلا احباب, عمر من هباء ودخان, العمر بلا وجوه من رحيق, واسماء من نور, تحبك بقدر ما تعشق أنت وقع انفاسها في دقائق الوقت, عمر لا تاريخ له ولا جغرافيا. في جلسة ضمت صحبة قديمة متآلفة, دار حديث دخل في كل الدهاليز ونقب في كل الامكنة, وكان ما أثار الشجن, اسم شخص (ما) وبرغم ان الحديث لم يتجاوز حدود المسموح به شرعا, حيث لا نميمة ولا غيبة, فكل الحديث كان شفقة, وكان شيئا من رثاء, كان قسرا على صاحب الاسم, لا لمكروه اصابه, ولكن لأنه, لم يعرف بعد كل هذا العمر الذي قضاه, كيف يحتفظ لنفسه برفيق صدوق؟, وكيف يصنع لنفسه صديقا حميما؟ والأهم كيف يترك لنفسه بصمة حميدة في نفوس الآخرين, وكان الحديث نقاشا عميقا لمعضلة انسانية: لماذا يكره البعض انفسهم حتى هذه الدرجة؟ وذهبت بعيدا, أبحث في دواخل هؤلاء الذين يفعلون وسعهم كي تنفر منهم, وانت تحاول جهدك ان تبحث فيهم عن نقطة ضوء ولكنهم يأبون الا اغلاق كل المنافذ والطاقات وبينما تواصل أنت ذهابك الصعب معهم في مراهنة شرسة على خيرية الانسان تكتشف انك عبثا تتسلق الشلال الهادر, وعبثا تذيب السكر في قلب المحيط. وتذكرت انني واجهت يوما, مأزقا صعبا, احمد الله انه لم يستمر طويلا. واجتهدت عمرا ان اعرف سر أزمة الود التي يعيشها امثال هؤلاء, وسر هذا العجز العجيب عن الدخول في قلوب الآخرين, وسر هذا النفور الذي يضج في شرايينك لمجرد النظر في عيونهم الفارغة من لمحة حنان او نظرة ود. ولم يكن السر عصيا على الكشف, فهؤلاء قد سقطوا (لأسباب عديدة) في مستنقع بشع من عشق (الأنا) وعبادة الذات التي تضخمت لديهم, فما عادوا يرون سوى صورهم تنعكس على كل المحيط بهم, وعلى كل الوجوه والاعمال, وعلى الوقت وتلافيف الزمن فكأنهم (هم) ومن ورائهم الفراغ ومن أمامهم العبث! هؤلاء قد تشفق عليهم, وقد تعقد النية الخالصة على نصحهم, لكنك تكتشف ان النصيحة الوحيدة تقدمها لنفسك أولا بتجنبهم, فهؤلاء الناس لايقتاتون حبا من قلوب الآخرين, بل يلتهمون قلوبهم التي تتلظى غيرة وشحا وعجزا, ويقعون في متاهة تتبع انفاس الآخرين وظلالهم, يرتعبون خوفا من نجاح غيرهم وتألقهم, عيونهم لا تنام وقلوبهم لا تهدأ, تتابع الظلال حتى لا يسبق احد ظلهم, ومع انهم في آخر المسيرة, لكن انعكاس صورهم بشكل مضخم يجعلهم يظنون دوما انهم قادة الركب. لا تكرههم, ولا تستطيع ان تحبهم, لكنك تدعو الله لهم بالرحمة واللطف وان يعافيك مما ابتلاهم به.

تعليقات

تعليقات