ثقافة الديمقراطية: بقلم- د. علي الدين هلال

ليس من قبيل المبالغة القول بأن الديمقراطية هي احدى الغايات التي تطلعت اليها البشرية عبر التاريخ, وأنها احدى القيم التي ارتبط بها, ودافع عنها , فلاسفة ومفكرون من كافة الثقافات والحضارات والمدارس الفكرية. قد تختلف الاسماء والمسميات التي اتخذها المفهوم من ثقافة لاخرى ومن مجتمع لآخر, ولكن التطلع البشري كان دوما الى مجتمع يشعر فيه المواطن بحق المشاركة, وبالقدرة على التعبير عن رأيه في المسائل العامة, وبوجود قنوات مفتوحة بينه وبين الحكم, يستطيع من خلالها أن يعبر عن مشكلاته لمن بيدهم مقاليد السلطة والقرار, ويشهد العالم الآن, بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط نظم الحزب الواحد في شرق أوروبا, صحوة في الحديث عن الديمقراطية, وفي التأكيد على ضرورة العمل على ارساء قيمها في المجتمعات المختلفة, ومنها بلادنا العربية. وعندما نتأمل في النظم والنظريات المرتبطة بالنظام الديمقراطي, نجد انها تشير الى جوانب مختلفة لهذا النظام: منها الدستور ومجموعة القوانين السائدة في الدولة, ومنها قواعد العمل في المؤسسات السياسية واجراءات الممارسة فيها, ومنها القيم والافكار السائدة في المجتمع, وهذا هو الجانب الذي يركز عليه هذا المقال, واقصد به الجانب الثقافي من موضوع الديمقراطية: لقد تنبه الباحثون ورجال السياسة الى هذا الجانب في نهاية الثلاثينات من هذا القرن, مع وصول هتلر وحزبه النازي الى السلطة, وكانت مناسبة ذلك, انه في اعقاب الحرب العالمية الاولى وهزيمة الامبراطورية الالمانية, قامت الدول المنتصرة بفرض (النظام الديمقراطي) في المانيا, فتم اعلان دستور جديد, مماثل للدساتير الموجودة في الدول الديمقراطية الأوروبية. وتصورت الدول المنتصرة ان هذا النظام سوف يستمر على نفس ماهو حادث في الدول الاوروبية الاخرى, ولكن التاريخ في المانيا سار في اتجاه مخالف, فقد صوت الناخبون الالمان لصالح هتلر وحزبه (الحزب الاشتراكي الوطني) , والذي كانت افكاره اساس السياسات (العنصرية) و(الاستعلائية) و(التوسعية) , التي نفذها هتلر بعد وصوله الى الحكم, لقد كان هتلر هو آخر مستشار منتخب لنظام (جمهورية فيمار) , وهو الاسم الذي عرف به النظام السياسي في المانيا ما بين نهاية الحرب العالمية الاولى ووصول هتلر الى الحكم, ثم سرعان ما انقلب هتلر على هذا النظام, فألغى الدستور, وقام أنصاره بحرق مبنى البرلمان, وفرض نظام الحزب الواحد. كان السؤال الذي فرضته هذه التطورات على الفكر السياسي وقتذاك هو: (لماذا لم تنجح الديمقراطية في المانيا, وكيف قام الشعب الالماني بانتخاب حزب تتضمن افكاره معاداة الديمقراطية) . وكانت الاجابة, من بين عوامل اخرى, هي (غياب الثقافة الديمقراطية) . وبدأ الباحثون في فحص العلاقة الحميمة بين الدولة والمجتمع, وبين شكل النظام السياسي في بلد ما ونمط الثقافة السياسية السائد بين ابناء هذا البلد, ووصلوا الى نتيجة انه لا يمكن ان يكون النظام السياسي ديمقراطيا, اذا افتقد المجتمع تلك الصفة, أو اذا تم فرض نظام ديمقراطي على مجتمع تغيب هذه الصفة عن مؤسساته الاجتماعية المختلفة, مثل الاسرة, والمدرسة, وانه اذا قام هذا النظام فانه سوف يظل هشا ولن ترسخ له جذور في التربة الاجتماعية, بل يمكن لأي مغامر أو مقامر ان ينقلب عليه دون عقبات حقيقية. وقادت هذه النتيجة الى زيادة الاهتمام بالجوانب الثقافية والمعنوية للديمقراطية, باعتبارها ليست مجرد شكل من أشكال نظم الحكم, وانما نظام يستند الى مجموعة من القيم والعادات والممارسات الاجتماعية, التي يمارسها كل مواطن في المجتمع, وازداد الاعتقاد بأن وجود (القيم الديمقراطية) و(الثقافة الديمقراطية) هو شرط اساسي لازدهار نظام الحكم الديمقراطي. من ذلك مثلا: قيمة التسامح, بمعنى احترام الرأي والرأي الآخر, وقيمة النسبية في الامور الاقتصادية والاجتماعية, وانه ليس من حق انصار وجهة نظر ما الزعم بأن ما يعتقدون فيه هو وجهة النظر الصحيحة الوحيدة, لأن القبول بهذا الزعم يترتب عليه, بالضرورة منع اصحاب الآراء والاجتهادات الاخرى من التعبير عن وجهات نظرهم, ومن ذلك أيضا, قيمة احترام التعددية في الفكر والاجتهاد, وقبول الاختلاف في الآراء, وهو أحد تقاليدنا الفكرية الاسلامية. ففي مجال الفقه والفكر الاسلاميين تتعدد الآراء وتتنوع, وكثير من فقهائنا العظماء تنوعت اجتهاداتهم في الامور السياسية والاجتماعية, باختلاف البيئات التي عاشوا فيها, وباختلاف الظروف التي عاش المسلمون في ظلها, وهذا هو مصدر ثراء الفكر الاسلامي وتجدده. والذين يعرفون كيف يختلفون هم وحدهم الذين يعرفون كيف يتفقون. فالاختلاف والاتفاق هما وجهان لحقيقة واحدة ولعملة واحدة, وهي العلاقة بين الرأي والآراء الاخرى, او العلاقة بين ما يعتقد فيه أي منا وبين ما يعتقد فيه الاخرون, و(الاتفاق الجاد والحقيقي) هو ذلك الذي يتم التوصل اليه عبر الحوار بين الآراء المتعددة, وهو الذي يأخذ بأفضل ما تضمنه كل رأي واجتهاد. ومؤدى ذلك, ان الاختلاف في الرأي ليس مظهرا (سلبيا) أو (مرضيا) , كما أنه ليس مظهرا للضعف او التفكك, ولكنه ــ على العكس تماما ــ تعبير عن الاختلاف الطبيعي بين البشر في التوجهات والآراء والمصالح. وسنة الله في الخلق هي التنوع والتعدد. ولو أراد سبحانه وتعالى ان يخلق البشر جميعا على شكل واحد او لون واحد او لغة واحدة او دين واحد لفعل. وعندما يحدث الاختلاف والحوار فإن (الاتفاق العام) أو (الرضا العام) الذي يتم الوصول اليه يكون مستندا الى أسس راسخة, ويشعر كل طرف أنئذ أنه ساهم بقدر في الوصول اليه. ان التعدد والتنوع هما سمة الحياة الانسانية. ومن الطبيعي, في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ان تتعدد الاجتهادات, وأن تتنوع الافكار, وان تختلف زوايا النظر للأمور. والفكر الديمقراطي يؤكد على حق كل صاحب اجتهاد او رأي ان يطرح اجتهاده, وان يعبر عن رأيه, لأن في هذه الممارسة توسيعا لاطار المشاركة في الأمور العامة, وتأكيدا لحق كل انسان ان يكون له رأي في الموضوعات التي تهم الوطن, ومن التقاليد البرلمانية في بريطانيا مثلا, أنه عندما تتشكل لجنة لبحث موضوع ما, فإن من حق أصحاب الآراء المخالفة لرأي الاغلبية ان يسجلوا مواقفهم في متن تقرير اللجنة, وأحيانا ينتهي عمل اللجنة باصدار تقريرين, (تقرير الاغلبية) , الذي يتضمن وجهة نظر أغلبية اعضاء اللجنة, (وتقرير الاقلية) الذي يعرض لوجهة نظر المخالفين في الرأي, ولكن, في النهاية يكون القرار وفقا لرأي الاغلبية. والآراء المتعددة هي بمثابة مصابيح ساطعة ذات ألوان مختلفة, تكشف عن الجوانب المتعددة للموضوع الذي يتم بحثه, وتقدم حلولا وبدائل متنوعة للقضايا محل النظر والبحث. وعندما يشعر الناس بأن المناخ الذي يعيشون فيه يسمح لهم بذلك, فإنهم يسعون الى التواصل مع الآراء الاخرى, والى الوصول الى اتفاق من خلال النقاش والحوار. وهذا يخلق افضل بيئة تحول دون الاستقطاب الاجتماعي, ودون شيوع الافكار المتطرفة, او الحديثة او التي تناصب الآخرين العداء. لأن كل صاحب رأي يشعر بالأمن والطمأنينة من أنه يستطيع التعبير عن رأيه والدخول, مع الآخرين في حوار بشأنه. والمجتمع الذي يعيش حياة اجتماعية وسياسية صحيحة هو ذلك الذي يستطيع مواطنوه التعبير عن اجتهاداتهم وآرائهم المتعددة, بحيث يكون ما يتم الوصول اليه والاتفاق عليه, في النهاية, هو ثمرة التفاعل بين هذه الاجتهادات والآراء. ان الثقافة الديمقراطية هي تلك التي تشجع على النقاش وتفتح الباب للحوار وتتيح فرص التفاعل بين الآراء, ليس فقط على المستوى السياسي, وانما على المستوى الاجتماعي والثقافي والفكري عموما. فكما ذكرت, فان الديمقراطية ليست قضية سياسية وحسب, وإنما هي مسألة اجتماعية في المقام الاول. ومن المطلوب ان تشيع هذه القيم في سائر المؤسسات الاجتماعية لذلك, فمن أكثر الممارسات غرابة على مستوى الكتاب والمثقفين, أنه بدلا من ان يتصدى الكاتب للرأي المخالف له, وأن يفنده بالحجج والبراهين, وأن يثبت خطأه, ويوضح حدوده وقصوره أمام الرأي العام, فإنه يدعو السلطات في هذه الدولة أو تلك الى التدخل لمنع هذه الآراء من التعبير عن نفسها. ونقول ان التعدد في الرأي والاجتهاد هو أمر طبيعي, وليس مظهرا سلبيا, او تعبيرا عن ضعف, أو نذيرا بخطر, بل هو علامة حيوية, ودليل صحة, وشهادة بقوة المجتمع وباستقرار نظامه السياسي. عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية*

تعليقات

تعليقات