رهانات عربية خاسرة: بقلم- د. عبدالله عبدالرحمن سعيد

الحسابات العربية بشأن العملية السلمية تصب دائماً فيما تحلم به أن يكون لا فيما هو في حيز الواقع, فرغم اننا جميعاً قد تعرفنا على أمريكا في أكثر من مناسبة عملية الا اننا ما زلنا نأمل أن نراها في صورة مغايرة.. وهذا أمر مستحيل لأن القضية برمتها ترتبط باسرائيل اولاً لا بنا نحن العرب. عندما كان رابين موجوداً كثفنا من رهاناتنا عليه, ثم قتل رابين فانتقلنا برهاناتنا على بيريز .. وخسرنا مع رابين رهاناتنا عليه.. ولو على مضض, وخسرنا مع نتانياهو حتى الآن الا اننا نرفض الاعتراف بهذه الخسارة من خلال اتكالنا على أمريكا لتخليصنا من المأزق الذي أوقعتنا فيه العملية السلمية. مع رابين نحن الذين قدمنا التنازلات, ومع بيريز ايضاً واليوم نتابع تقديمها مع نتانياهو الا انها ليست كافية بالنسبة له خاصة وأنه وضع سقفها الى اقصى ما باستطاعته.. فهي الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من الاستمرار في السلطة. بنيامين نتانياهو سينهي بعد أسابيع عامه الثاني وهو على رأس حكومة اسرائيل, وصحيح انه قد (خرب) كل ما أفرزته العملية السلمية من (ايجابيات) إلا أن ثقتنا المفرطة به ما زالت تحكي لنا بامكانيات الضغط عليه.. وهذا شيء لن يحدث. ولأننا على يقين بأنه شيء لن يحدث أبداً فقد اتجه الكثيرون للمراهنة على البديل.. رغم ان البديل ما زال بعيداً على أساس أن نتانياهو سيكمل فترته, وبشكل طبيعي, حتى منتصف عام 2000 موعد الانتخابات التشريعية الاسرائيلية المقبلة. في اسرائيل لا يوجد لا حمائم ولا صقور, فالعمل مثل الليكود, سواء تعلق الأمر بالقدس أم بالجولان أم بالمياه أم باللاجئين.. ام بقضية الاستيطان أم أنه تعلق بمقولة الأمن القومي (المفتوحة) القائمة على مبدأ الردع الذي لن يتحقق الا من خلال تفوق عسكري دائم.. حتى بعد التوقيع على اتفاقيات سلام مفترضة. كل من في اسرائيل شريك مساهم في (اسرائيل الكبرى) ومن يدعي العكس لا يؤمن به في داخله لأن ادعاءاته هي اصلاً لأسباب سياسية او انتخابية.. وقد لا تخرج في النهاية من دائرة الصراع بين سلطة ومعارضة والمسألة في هذه النقطة تلتزم بها جميع الأحزاب الاسرائيلية من أول اليمين الى آخر اليسار, لتصبح الانتخابات الاسرائيلية مجرد روتين سياسي ضمن اسرائيل, وعبارة عن خيبة أمل بالنسبة لرهاناتنا وحساباتنا الخاطئة المشددة على التفاؤل. الكيان الاسرائيلي, ومنذ ان كان (هوساً) لم يكن أكثر من مشروع استيطاني استيلائي يهتم بالبحث عن الأرض وفق ما سطرته الأيدي في النصوص التوراتية لا وفق ما نراه نحن.. ولقد أثبتت لنا التجربة بأن أمريكا لا ترى الا بأعين اسرائيلية وأن احتكارها لاطروحتي الحرب والسلم في المنطقة ليس له من هدف الا احترام (القدر التوراتي) ومع ذلك فقد وقعنا في الحفرة أكثر من مرة ولدغنا من الجحر عشرات المرات وما زلنا ننتظر المزيد. ما أشبه الأمس باليوم.. فنحن لم نتمكن بعد من ضبط (استراتيجية مشتركة) قادرة على تحطيم الحصار من حولنا, ولأن كلاً منا يحارب ــ منفرداً ــ من أجل (ليلاه) فإن اسرائيل تبقى رابحة, ولا نظن بأن أمريكا ستتخلى عن كلمتها (العليا) في المنطقة. لقد اضرت العملية السلمية بالمسألة القومية اضراراً بالغاً, وتراجعنا اثناءها أكثر مما تراجعنا أثناء الحرب.. ومع ذلك فإن الضغوط علينا مستمرة لم تنقطع, ولابد من أن تميل الكفة بإطناب أشد لصالح اسرائيل خاصة وأن جميع الظروف مواتية في هذا الصدد. فإضافة الى العقوبات والاحتواء والخطر والخنق هناك الضعف والتخاذل والتفرقة.. الممتزجة جميعاً بقدر خارق من اللامبالاة. ومع ذلك فإن مسلسل الرهانات لم ينقطع, مرة في المد ومرة في الجزر, بحجة تطويع التوقعات, ولكن كيف التوصل الى تطويع توقعات ليست لنا ولا تحت تصرفنا؟ بعض الاصوات تعالت مؤخراً تتحدث عن خيبة الأمل الامريكية من جراء فشل البيت الابيض في تجنيد إجماع عربي مؤيد لضرب العراق, ولتزيد هذه الأصوات في تفاؤلها فإنها تعتقد بأن واشنطن ستعمل على ادخال تعديلات جذرية في سياستها الشرق أوسطية وعلى الأخص في مجال مبدأ (الكيل بمكيالين) . ان قدّر لمثل هذه التفاؤلات التحقق فلابد من القول بالمعجزة, اذ ان الامر سيعني بداية التخلي عن اسرائيل, ومن ثم اعطاء العملية السلمية جميع استحقاقاتها سواء على نطاق الرعاية والحياد فيها أو على نطاق تنفيذ وتطبيق القرارات الاممية التي صدرت بحق اسرائيل. خاصة وان اسرائيل قد رفضتها كلها, بل ان الصفاقة قد أوصلتها الى درجة المطالبة بالقاء المنظمة الاممية في مزبلة التاريخ. في كل الاحوال فإن الالتزام بالافعال يبقى أفضل بكثير من المراهنة على الغير, والافعال التي نرجو ان نتمسك بها نحن العرب إنما هي في نطاق قدراتنا .. من دون انتظار أحد, وعلى وجه التحديد من دون انتظار الولايات المتحدة .. ولا حتى أوروبا. نحن على يقين بأن الدولة العظمى قد فقدت معظم مصداقيتها في تعاملها مع العرب, وبقدر ما إذا قبلنا بأنها (أجادت) في حرب تحرير الكويت.. بقدر يجب أن نقبل بأنها (أساءت) وبكل عمق في ترحيلها للعملية السلمية على مدى ما يزيد عن سبع سنوات.. لمجرد انها لم تبحث الا عن ارضاء الطرف الاسرائيلي. نحن على يقين أيضاً بأن الدولة العظمى لن تضغط اليوم ولا غداً على اسرائيل.. وبيل كلينتون بالذات لن يجرؤ على تحريك مثل هذه الضغوط خاصة وأن بنيامين نتانياهو هو الذي تجرأ فتحدى وهدد وارغى وأزبد.. حتى قبل لجوئه الى (أصدقاء) اسرائيل في الكونجرس. ولكن ما الذي يمكن ان يدفع أية ادارة امريكية الى ممارسة الضغط على اسرائيل إن لم يكن من أجل الحفاظ على مصالحها مع الأطراف العربية, وطالما أن هذه المصالح مؤمنة وثابتة وتصل واشنطن حتى فوق أطباق من ذهب؟ فلماذا تفتح على نفسها جبهة ليست لها أي قدرات لمواجهتها أو التغلب عليها.. على أساس أن اللوبي اليهودي في كل مكان, ومكانه الأفضل هو في صناديق التصويت سواء تعلق الأمر بالبيت الأبيض ام انه تعلق بالكونجرس؟ من هذا المنطلق فإن العملية السلمية قد تحولت الى ما يشبه المأساة, والمأساة هي التي تدفع بـ(اليائسين) الى المراهنة على أي شيء.. وبأي ثمن كان. لهذه الاسباب وأمثالها فقد خسرنا باستمرار وستظل حساباتنا خاسرة على الأقل على المدى القصير, الا اذا دبت فينا صحوة كامنة فاقتلعت منا (الاتكالية) والزمتنا بشحذ الذات لأن الذات العربية هي أقوى من أن تموت أو أن تدفن وهي حية. كلية الشريعة والقانون ــ جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات