الجديد في العلاقات السودانية ـ المصرية: بقلم ـ الدكتورة سحر المجالي

تصاعدت حدة الخلافات المصرية ــ السودانية بعد نجاة الرئيس المصري محمد حسني مبارك من محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها في يونيو 1995 في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا, والتي المحت بعض المصادر الغربية إلى أنها من تدبير السودان, وبناء عليها أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يقضي بفرض عقوبات دبلوماسية وأخرى تتعلق بالسفر الى السودان اذا لم يسلم السودان ثلاثة أشخاص متهمين في تنفيذ محاولة الاغتيال هذه, كما قام المصريون بقطع الاتصالات السياسية والدبلوماسية مع الحكومة السودانية واتهامها بالإرهاب لإيوائها عناصر ارهابية عدائية موجهة ضد مصر وعدد من الأقطار العربية. وبسبب هذه القضية بدأت الخلافات حول قضية (حلايب) ذلك المثلث المتنازع عليه والذي يشكل القاعدة الجنوبية لمصر, ويحده من الشمال الشرقي البحر الأحمر ومن الشمال الغربي مصر, وتبلغ مساحته (17.500)كم2 في حين يبلغ عدد سكانه (13) ألف نسمة معظمهم من قبيلتي البشاريين والعبابدة وهم من البدو الرحل, وتدعي كلا الدولتين انتماءهم اليها. حيث قامت مصر بعدة إجراءات عسكرية تمكنت من السيطرة على ثلثي هذه المنطقة الاستراتيجية بحجة مصرية, الا ان الرئيس البشير أصدر مرسوماً بذلك الوقت يقضي بتعيين نائبين للسكان في مجلس النواب السوداني, وتم تجميد بعض المؤسسات والممتلكات المصرية في السودان. ومع توالي الاحداث الاقليمية والدولية, ادرك كلا القطرين الشقيقين بأن من مصلحتهما انتهاج سياسة حكيمة, حيث ادرك السودان انه من مصلحته حل هذه القضية سلمياً, حتى يتمكن من مواصلة مواجهاته السياسية والعسكرية مع المتمردين في الجنوب لأن فتح جبهة على الحدود الشمالية من شأنه ان يضعف قدرات قواته المسلحة, ويشتت جهدها مما يتيح المجال أمام المتمردين لاستعادة توازنهم الذي فقدوه خلال السنتين الماضيتين, بسبب تخلي عدد كبير من الزعماء الافارقة عنهم, وفي مقدمتهم أثيوبيا بزعامة الرئيس (ميلس زيناوي) . كما ساهمت الظروف الدولية والاقليمية كذلك في تبني مصر لسياسة جديدة إزاء السودان, وذلك بسبب الفتور في العلاقات المصرية ــ الأمريكية ومحاولة تهميش الدور المصري الاقليمي مما دفعها الى تحسين علاقاتها مع الدول العربية وخاصة السودان, بقصد تذكير الادارة الامريكية بالدور المحوري لمصر, وانه لا يمكن تجاهلها عند التعامل مع الأحداث الجارية في المنطقة. وكذلك ورود معلومات سرية تشير الى تورط المخابرات الامريكية والموساد في محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا هذا من جهة, ومن جهة اخرى كان للتقارب الاسرائيلي ــ الارتيري ومحاولة (اسرائيل) اقناع ارتيريا بسحب مياه النيل الى (اسرائيل) وتشجيع الدول الافريقية التي يخترقها وادي النيل على عمل سدود مما يؤثر على كمية المياه في نهر النيل, كل ذلك يتطلب تضامناً مع السودان لوقف مثل هذه الاجراءات. ان التوجه المصري الأخير في التعامل مع (المسألة اليهودية) بروح جديدة تستحق كل التقدير, وخصوصاً بعد إعلان الرئيس المصري تأييده لفتح صفحة جديدة مع الخرطوم, وذلك بعد الزيارات السودانية المستمرة التي أوكلت لنائب الرئيس السوداني الراحل والذي كان يعتبر مقرباً من القيادة المصرية المرحوم (الزبير محمد صالح) ووزير الخارجية السوداني والتي صدرت على أثرها عدة قرارات من الجانبين تعزز التعاون بين القطرين وتشكيل عدة لجان أمنية مشتركة لإنهاء الخلافات الداخلية. في الوقت نفسه أكدت الحكومة السودانية ان التقارب السوداني المصري مرتبط بالوعي المشترك للتهديد الاستراتيجي الذي يشكله انفصال جنوب السودان, واشارت الى ان هذا التقارب يشكل تغيراً جذرياً وليس موقفاً ظرفياً من الجانب المصري, وقد توج السودان هذا التقارب بقرار الرئيس السوداني الأخير بالافراج عن كافة الممتلكات المصرية المجمدة في السودان منذ عام 1995. ومما لا شك فيه ان منطقة حلايب ستصبح (منطقة تكامل وتوثيق للعلاقات بين كل من السودان ومصر لا ان تكون منطقة نزاع وصراع) لان العلاقات التي تربط هذين البلدين العربيين المسلمين الجارين هي صلات نهر النيل العظيم ووحدة تراثه وتاريخه العميق وواقعه الاقتصادي والجغرافي. فافتراض قيام مصالح اي منهما في معزل عن الآخر لن يجر مثل هذا الافتراض الا الى عزلتهما معاً, والاضرار بمصالحهما والاستفراد بهما من قبل أعداء الأمة العربية ــ أمريكا واسرائيل ــ لهذا بات معلوماً للجميع ان النظر الى نقاط اللقاء أجدر بهم من النظر الى نقاط الخلاف, وان سعي العرب للتعاون سيقلص من حيز وتأثير نقاط الخلاف, لأن دورهم المأمول هو بالتضامن والتنسيق والتلاحم, لا التنافر والصراع. كلية الآداب ــ جامعة الزيتونة *

تعليقات

تعليقات