العرب بين خيارات التراجع وخيارات التحول! بقلم - د. شفيق ناظم الغبرا

مازالت منطقتنا منطقة حروب وصراعات, فمن الحرب العراقية الايرانية, الى الغزو العراقي للكويت الى النزاع العربي الاسرائيلي الى القصف الدائم في جنوب لبنان , وخلافات المياه والنفوذ مع تركيا, والذبح في الجزائر والفوضى حول العراق, والاكراد وقضاياهم, والحرب الاهلية في السودان, الى قضية ايران والامارات حول الجزر الثلاث, الى خلاف البحرين مع قطر حول جزر اخرى الى خلافات الحدود بين كل دولة عربية واخرى, في كل مكان نجد مشكلات عديدة لعالم اعتدنا على تناقضاته, اذن في منطقتنا صراعات كبرى واخرى صغرى, وفي كل هذا ندخل العصر الحديث في ظل وضع سلبي مفاده سيطرة قضايا تقليدية على مجتمعات ناميه: في كل هذا يقع تأخير كبير لمنطقة تتوق للنمو والازدهار. ومما يزيد التوتر توترا ان منطقتنا هي في الوقت نفسه واحدة من اكثر مناطق العالم قيمة واهمية وذلك بسبب احتوائها على 70% من الطاقة العالمية و40% من الغاز العالمي. هذه المنطقة الممتدة من الامارات المتحدة الى المملكة السعودية والعراق والكويت انتهاء بكازخستان ومنطقة بحر قزوين واذربيجان هي واحدة من اكثر المناطق اهمية بل واكثرها استقطابا للدول الكبرى كما وللدول المتنافسه دوليا (روسيا الصين فرنسا بريطانيا الولايات المتحدة). ولكن هذه المنطقة الهامه جزء لا يتجزأ من العالم العربي ومن منطقة الشرق الاوسط والعمق الاسلامي الاوسع ولهذا فبين الصراع العربي الاسرائيلي وبين الصراع الدولي ثم بين العراقي الامريكي وبين الصراع السوري التركي وبين تنافس الدول الكبرى في منطقة الخليج تقع حالة ترابط وتوتر تخيم على منطقتنا. وعند نهاية القرن العشرين يفتح العرب اعينهم واذا هم متأخرون في العديد من القضايا الجوهرية, ففي مجال التنمية نجد ان منطقتنا من اقل مناطق العالم نموا وذلك لان التنمية لا تتجاوز 3% سنويا, بينما نعاني من تضخم في قوة العمل المقبلة الى سوق العمل والتي تصل نسبتها السنوية الى 4 و5%, هكذا نكتشف أننا في ظل انشغالنا بحروب وبصراعات اهملنا الامر الاساسي المتعلق بتنمية مجتمعاتنا وذلك لاننا نصنع جيوشا من العاطلين عن العمل ولاننا نبني اقتصاديات لا تكاد تلبي احتياجاتنا. بل نجد اننا دخلنا مرحلة تراجع الخدمات التعليمية والصحية والخدمات العامة, بل ان اهمال هذه الخدمات الحكومية في العالم العربي يجعلها اليوم متآكلة تخدم جمهورا فقيرا يزداد فقرا وبطالة. ولكننا من جهة أخرى أهملنا ذلك التكاثر السكاني الكبير الذي يهدد بتغير وجه المنطقة وباضافة جيوش جديدة من الفقر والبطالة, فسكان منطقتنا العربية سيتكاثرون من 274 مليون الان الى 500 مليون عام 2025. وان سكان العراق والاردن والكويت وعمان وسوريا والضفة الغربية وغزة واليمن سوف يتضاعفون مع هذا التاريخ. بمعنى آخر هناك انفجار سكاني مقبل. ويترافق امر التكاثر السكاني مع تحول معظم العرب الى اطفال دون 15 من العمر, فبينما نجد ان 20% من السكان في الغرب هم دون 15 سنة, الا ان 45% من السكان في البلاد العربية والاسلامية هم دون 15. اذن هناك مجتمعات عربية واسلامية كاملة معرضة للانفجار بسبب صغر سن الاغلبية وذلك في ظل بيئة شديدة الضغط على الموارد ومحدودة الخدمات. ولكن لو تفاءلنا بالمقدرة على مواجهة كل هذه المعوقات الا ان التعرض للاحصائيات التي تتحدث عن الامية في البلاد العربية تؤكد اننا كنا اكثر اهتماما ببناء بنية الصراع العربي الاسرائيلي وبنية الصراعات العربية غير العربية او العربية ــ العربية من اهتمامنا بمحو الأمية. فلو اخذنا مصر وهي اهم دولة عربية تاريخيا وكثافه وعمقا لوجدنا ان 34% من النساء في مصر يقرأن ويكتبن نسبة الى 63% من الرجال, اما في ايران فنجد ان 43% من النساء يقرأن نسبة الى 64% من الرجال, وفي السعودية نجد ان 48% النساء يقرأن ويكتبن بينما نجد ان 73% من الرجال يقرأون ويكتبون. ان هذا دليل على طبيعة محدودية الشوط الذي قطعناه في مجال محو الاميه, وهذا يعني ان لهذا الامر اثر كبير على الاجيال الصاعدة وعلى كيفية دخولنا في العصر الجديد. في هذا الوضع يجد العرب انهم اكثر تفككا واكثر انسلاخا من السابق ويجدون في الوقت نفسه انهم ضعفاء في مواجهة العالم وضعفاء في مواجهة متطلبات العصر وفي حل خلافاتهم وفي مواجهة غير العرب. في هذا كله العرب يعيشون حالة ضيق شديدة وقد طوقتهم الصراعات في كل مكان وان كانت الشعارات قد املتهم بما لا يمكن للواقع ان يقوم به. بل يكفي النظر الى التجارة بين العرب لمعرفة حجم العلاقات بين العرب: فبعد كل هذه السنوات من التحدث عن العروبة والقومية وبعد واحدة من اكثر الحركات قومية وشعبية في زمن الرئيس عبد الناصر نجد ان التجارة بين العرب لا تتجاوز 3% من مجموع التجارة العربية. وفي هذا الوقت يجد العرب ان المال الذي أنتجه القطاع الخاص والذي هرب نتيجة الحروب والفتن ونتاج غياب الاستقرار الذاتي قد تراكم ليصل الى 350 مليار دولار. ويجد العرب في الوقت نفسه ان المال الذي يحتاجونه لبناء بناهم التحتيه ولبناء طرق وجسور ولبناء شبكات كهرباء وسدود في بلادهم وبين دولهم هو الآخر يتطلب 350 مليار دولار. العرب في كل شيء يتطلبون الكثير لينهضوا ولكننا انفقنا وخسرنا بسبب حرب الخليج الثانية وعدوان العراق على الكويت 600 مليار دولار. في كل هذه الصراعات وفي كل هذه الاوضاع تحتاج منطقتنا الى راحة محارب بل الاجدر ان نقول راحة محارب لم ينجح في الحرب الا في اقل الحدود وفي اطار دفع اغلى الاثمان. بداية نحتاج الى توجه جاد للتعلم من دروس الصراعات التي اضعفتنا واستنزفتنا, كما يجب ان نبحث عن حلول سليمة تعالج اولا الخلافات العربية ــ العربية وتعالج ايضا بالوتيرة نفسها الصراعات العربية غير العربية اي صراعاتنا الدائمة مع كل من تركيا وايران واسرائيل., فكل هذا اساس وبدونه لن نستطيع ممارسة التنمية التي يجب ان تتحول لهدف القادة وهدف الدول والشعوب. بل نحتاج قوة الى نزع الزي العسكري الذي طالما تباهينا به وحددنا الحرية باسمه واستبداله ببدلة العمل والانتاج. ان محو الامية وتطوير التعليم والخصخصة, والحد من التكاثر السكاني, والتوحد في ظل التعددية, وبناء الديمقراطية والاعتراف بدور الفرد والتعامل بسعة صدر مع المعارضة وذلك في ظل حل الصراعات الكبرى المحيطة بمنطقتنا كلها معضلات اساسية تشكل شروط الاستقرار. ان هذا الاستقرار هو الوحيد الذي سيخلق البيئة المناسبة لاجتذاب رؤوس الاموال العربية في الخارج ولاستقطاب المستثمرين العالميين ولبناء دور متميز للقطاع الخاص ولتخفيف الفقر وتحقيق نمو اقتصادي يتجاوز النمو السكاني ويلبي احتياجات الامن للمواطن والمجتمع والدول. قسم العلوم السياسية ــ جامعة الكويت *

تعليقات

تعليقات