اوروبا على درب تحقيق الهدف الخفي..! بقلم - د. طلعت شاهين

الحلم الاوروبي بالوحدة الذي بدأ بالحديث عن فتح اسواق تجارية بدأت ببضع دول قليلة, ثم توسعت ليصل عددها الى 15 دولة ليس بريئا تماما من اية شبهات حول الهدف الرئيسي الذي يحاول (ايدلوجيو) اوروبا تحقيقه , واذا كانت شعارات السنوات الماضية كافية لابعاد اي متشكك عن التفكير في الهدف الخفي من تلك الوحدة, فان هذه الشعارات لم تعد صالحة لاقناع الاخرين الان بالمبررات القديمة. الهدف الكامن كان عادة يتلون بألوان كثيرة, كل لون حسب الوقت واولويات السياسة الدولية ومتغيراتها, هذه الالوان زادت من (سرية) الهدف الرئيسي غير المعلن, وكانت بمثابة الشباك الواقية في مواجهة المتشككين من الشرق والغرب من الهدف الاخير لتلك العملية, التي بدأت في سرية تامة كفكرة فلسفية سرعان ما وجدت من يدعمها بين السياسيين, وليس ذلك لان هؤلاء السياسيين من صناع الوحدة والرخاء, ولكن لان السياسيين في كل تلك الدول التي تنتمي الى تلك القارة لديهم قناعات اساسية لاتتغير مهما كان تأثير هذه المتغيرات على المصالح الخاصة, الوطن في عقولهم يتسع ليشمل الدائرة الرئيسية الكبرى التي لاتقنع بوضع لون واحد على القبعة الجغرافية المسماة (اوروبا) , بل تمتد الدائرة الى ابعد من ذلك, وتحاول ان تلون دوائر اخرى على الخارطة لتكون احزمة امان لتلك الدولة العظمى المسماة ايضا (اوروبا) . الوحدة الاوروبية كانت مبررة دائما بشعارات تحقيق اقتصاد متكامل يضمن لتلك القارة رخاء, ولسكانها نعما لايتمتع بها غيرهم من الشعوب الاخرى التي تعيش على هامش التاريخ, تلك الشعوب التي تستخدمها اوروبا مادة لتحقيق رخائها لذلك كانت هناك شعارات مختلفة تناسب كل مرحلة, في البداية كان الهدف تحقيق تلك الرغبة في التكامل الاقتصادي, ثم بعد ذلك محاولة بناء اقتصاد واحد يحقق الاستقرار, ثم لاستكمال تلك المرحلة لابد من عملة موحدة يمكن لساكن تلك البلاد ان ينتقل بها من قطر الى آخر دون ان يفقد من قيمة العملة التي يحملها في جيبة شيئا على الاطلاق, بينما كان في الماضي يجد نفسه عاجزا عن ملاحقة الانخفاض في قيمة العملة التي يحملها في جيبه من جراء العمولات التي تحصل عليها البنوك عند تحويل قدر من تلك العملة الى قدر من عملة اخرى. طوال تلك السنوات لم يحاول اي سياسي اوروبي ان يتكلم بوضوح وصراحة عن هدف تلك الوحدة الاخير, واذا حدثت زلات لسان من البعض سرعان ما يتم تكذيبها, او وصم من قالها بالشوفينية والعنصرية الممقوتة, لكن تلك الزلات اللسانية تعبر في كثير من الاحيان اصدق التعبير عن الهدف النهائي لعملية تكوين (الوحدة الاوروبية) , التي سيصل عدد دولها في المستقبل القريب الى 26 دولة, بمعدلها هذا لاتزيد اوروبا عن عدد الدول الاعضاء في منظمات اقليمية مشابهة, مثل الجامعة العربية مثلا, لكنها تتفوق على اية منظمة اقليمية اخرى, ان لها هدفا تسير على درب تحقيقه دون ان تحيد عنه. رغم شعارات السنوات السابقة التي اشرنا الى انها كانت (شباك التمويه) , او (ستار,) الدخان التي كانت تحاول ان تخفي الحقيقة, الا ان الاعلان الاخير عن التوجه شرقا لضم ما تبقى من اوروبا, رغم ما تكلفه تلك العملية من اموال باهظة لدافع الضرائب الاوروبي, كانت الضربة التي مزقت ستار الدخان الاخير, خاصة ان قرار التوسع شرقا جاء مصحوبا بقرار ابعاد تركيا عن المعادلة الاوروبية الى الابد, فتكشفت حقيقة ان اوروبا كانت وستظل (مسيحية) , وثقافتها كما يعلن سياسيوها, ثقافة (يهودية ــ مسيحية) وباعتبار ان الانجيل او العهد الجديد امتدادا للتوراة او العهد القديم, رغم اهمية تركيا (المسلمة) استراتيجيا في المعادلة السياسية والعسكرية العالمية, لكن ضم تلك الدولة على علمانية مؤسساتها قد ينفي الصفة الاساسية لنادي الدول المسيحية المسماة باسم (الاتحاد الاوروبي) . ليس هناك من تبرير واحد يمكنه اقناع المطلع على مسيرة (التكوين الاوروبي) منذ ان كان جنينا حتى الآن باسباب ابعاد تركيا, او عدم التفكير مثلا في ضم اي من دول (شمال افريقيا العربية) رغم ان التفكير في ضم اسرائيل رسميا الى المنظومة الاوروبية قائم, ويعلن عن نفسه من وقت لآخر من خلال التصريحات او الاتفاقيات التي توقعها دول الاتحاد مع اسرائيل. قرار التوسع الاوروبي شرقا بعيدا عن تركيا تكلفته اكبر من تكلفة اي توسع سابق في عدد الدول الاعضاء في اوروبا الموحدة, لان الدراسات تشير الى ان ضم دول اوروبا الشرقية ليس سهلا, وثمنه لايقل عن عشر مليارات (يورو) خلال السنوات الست الاولى, وهو امر له تأثير مباشر على عدد من الدول التي لاتزال تتلقى دعما ماديا لتحديث ادواتها الاقتصادية, لتكون على المستوى نفسه الذي يوجد عليه باقي اقتصاديات الدول الاخرى, مع ذلك لم يرفع اي سياسي من تلك الدول (اصبعه) للاحتجاج ضد هذا التوسع الجديد والمكلف والمتعجل في رأي البعض. لكن المؤكد ان هناك من اقنع تلك الدول بان الوضع الحالي في اوروبا الشرقية يرشحها للعودة الى احضان الماضي, اذا لم يتم اتخاذ هذه الخطوة المطلوبة لابعادها عن ذلك الشبح الذي يهددها, اذن على سياسيي تلك الدول وحكامها ان يقدموا مسألة تحقيق (الحلم الاوروبي) على تحقيق أي احلام وطنية اخرى, خاصة انه في الطريق الى تحقيق الخطوات التي تم تحقيقها حتى الآن, امكن تحقيق خطوات اخرى تسير في خط مواز مع الخط الاقتصادي المعلن, الذي يشكل الستار الذي يخفي تحقيق الهدف غير المعلن. في الطريق الى الوصول بالرقم الى 15 في عدد الدول المكونة للاتحاد الاوروبي في طبعته القائمة, امكن اسقاط جدار برلين, وتمزيق الاتحاد السوفييتي السابق, واسقاط النظام المناوىء لمبادىء الاتحاد الاوروبي القائمة على الرأسمالية, رغم وجود العشرات من الاحزاب الاوروبية التي ترفع شعارات واسماء اشتراكية, وبعض تلك الاحزاب شارك في الحكم وصناعة الوحدة القائمة على (فكرة رأسمالية) بل لعب بعضهم ادوارا فعالة في اسقاط الاشتراكية في شرق اوروبا. امكن ايضا ممارسة التطهير العرقي ضد غير المعتنقين للديانة الرئيسية في اوروبا, وما حدث في البوسنة والهرسك درس يمكن ان يتكرر, بل على وشك تنفيذ السيناريو نفسه فيما تبقى من مسلمين في اقليم (كوسوفو) , انها عملية سهلة ولن تكون اكثر تكلفة من تكلفة اية عمليات تطهير اخرى قامت في الماضي. الاتحاد الاوروبي يقرر ضم دول اوروبا الشرقية رغم فقرها وتخلفها وعدم نضج (الديمقراطية) الغربية المزروعة فيها, فيما يرفض الالتفات الى حلفائه في الجنوب والشرق غير الاوروبي, الارقام تؤكد ان تلك الدول المقرر منحها جواز المرور الى احضان الاتحاد الاوروبي غير مؤهلة لهذه الخطوة, حيث يبلغ دخل الفرد الواحد في تلك الدول اقل من ثلث دخل الفرد بين سكان الاعضاء الحاليين في الاتحاد الاوروبي. الزراعة التي تعتبر النشاط الرئيسي في اقتصاد دول اوروبا الشرقية في حاجة الى سنوات طويلة من العمل والاستثمارات المالية لتلحق بنظيرتها في دول الاتحاد الاوروبي, وهذا يعني توجيه اكثر من 45 مليار يورو (العملة الاوروبية الموحدة) لتحقيق شيء من التقارب بين الدول المطلوب ضمها الى الاتحاد مع الدول الاعضاء. اضافة الى انضمام افواه واياد جديدة تزيد عن مائة مليون تمتد الى سلة الطعام الاوروبية الحالية بحثا عن طعامها, مع ما يمثله هذا الرقم من اثر سلبي على الرفاهية الحالية بين سكان اعضاء الاتحاد الاوروبي الحاليين. اصرار زعماء اوروبا على السير في هذا الاتجاه يكشف الى أي مدى تمكنت منهم فكرة (اوروبا المسيحية) في مواجهة ما يسمى بالخطر الاسلامي القادم من الشرق (؟!), رغم ان ذلك الخطر الذي يحاولون التحصن ضده وليد الممارسات الاستعمارية التي طبقتها اوروبا في الشرق طوال عقود عديدة, اضافة الى الممارسات الحالية ضد الاقليات المهاجرة اليها والتي تنتمي الى تلك الدول او تعتنق مبادئها الدينية. بعد عملية التوسع الجديدة المعلن عنها, والاتجاه الذي تقرر ان تتخذه هذه العملية, والمواقف السلبية امام بوادر انطلاق عمليات تطهير عرقي اخرى ضد مسلمي (كوسوفو) , يمكن القول ان الهدف الذي ظل سرا وفي طي الكتمان منذ الخطوات الاولى نحو الوحدة الاوروبية قد انكشف بوضوح, ولم تعد تفلح معه شعارات الوحدة الاقتصادية, لان الخطوة الاخيرة تؤكد ان الهدف اكبر واشمل. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

تعليقات

تعليقات