محكمة لاهاي: ثغرة اخرى في عدالة الدولة العظمى، بقلم: فاطمة غالم

الولايات المتحدة الامريكية كانت قد حذرت محكمة العدل الدولية بعدم اعطاء نفسها صلاحيات النظر في قرارات مجلس الامن . نعم لقد كان الامر تحذيرا, وتحذير جهة قضائية عالمية عليا من مستوى محكمة العدل الدولية فيه الكثير والكثير. حجة امريكا في ذلك التحذير ان المحكمة المذكورة اذا ما اعطت نفسها تلك الصلاحيات فان ذلك سيؤدي الى تجميد خطير لفاعليات المجلس المذكور حيث ان الدول قد تعتبر نفسها غير ملزمة بهذه القرارات. امريكا في هذه الصيغة تحاول ان تحصن نفسها قبل غيرها, فمجلس الامن في الحقيقة وخاصة خلال السنوات الاخيرة قد اصبح (امريكا) وامريكا هي التي اصبحت (مجلس الامن) اما بشأن الدول التي قد تعتبر نفسها غير ملزمة بهذه القرارات فلا نظن ان تقتصر في المجتمع الدولي المعاصر على اكثر من امريكا واسرائيل... فهذه الدول لا يمكن ان تكون ليبيا ومن باب اولى الا تكون العراق. أمريكا هي التي فرضت العقوبات على ليبيا وحتى على العراق وان كانت في ظاهرها عقوبات اممية صادرة عن مجلسة الامن. ولأن الضعفاء في عالمنا قد كانوا بانتظار صوت شجاع فان هذاالصوت قد جاء من محكمة العدل الدولية فبأغلبية 13 قاضيا من قضاتها الـ 15 قالت المحكمة بأن من اختصاصاتها ايقاف الاجراءات العقابية ضد ليبيا على اساس ان هذه الاجراءات التي تعد باطلة في الوقت الحالي ولم يكن اتخاذها مفروضا الا بعد الانتهاء من التحكيم الدولي في القضية (قضية لوكيربي) التي تستند فيها الحكومة الليبية الى اتفاقية مونتريال الجوية لعام 1971. ولم تتوقف محكمة لاهاي عند هذه النقطة بل قررت ايضا ان من اختصاصاتها ايضا موضوع الفصل في القضية ذاتها, والموافقة هنا قد صدق عليها عشرة قضاة من مجموعة الخمسة عشر قاضيا دائما. وبديهي اننا لم نأت هنا لنشكك في نزاهة القضاة المعترضين لا بشأن الاختصاصات الاولى ولا بشأن الاختصاصات الثانية فهذا لا يدخل في سياق مقالنا حتى وان كان القاضي الامريكي من بين المعترضين, حيث اعتبرت الجماهيرية موقفه مستهجنا دوليا وقانونيا ومنطقيا, وانه بموقفه هذا قد برهن على انه سياسي لا قاضٍ! معنى قرار المحكمة في النتيجة ان اوراق القضية التي هي في حوزة الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا حيث ان الدولتين تصران على اختصاصهما وطالما رفضتا اختصاص قضاء محايد, لابد وان تحول جميعها الى محكمة لاهاي لتبت فيها اجمالا. الصدمة مبدئيا, لابد وانها قد كانت قوية بالنسبة للدولة العظمى على اساس ان بريطانيا قد درجت على ان تقول نعم وتقول لا تبعا لواشنطن, واذا ما انفرجت على اثرها اسارير الشعب العربي الليبي فان اسارير شعوب اخرى هي الاخرى قد انفرجت ايضا, وفي مقدمتها الشعب العراقي لأن كل صدمة تتلقاها الدولة العظمى انما هي صدمة للعدالة.. .وضد الظلم والطغيان والاجراءات القسرية من طرف واحد (طرف الاقوى) خاصة وان المقصود بها ليست الدول المخالفة لمبادىء القانون الدولي بقدر ما هي الدول المتمردة على السياسة الامريكية... انها اجراءات تصفية حسابات ولو كانت غير ذلك لطبقت مثل هذه الاجراءات على اسرائيل, وقبل جميع دول العالم ايضا بصفتها دولة مغتصبة, ومنذ نشأتها لم تحترم او تطبق قرارا امميا سواء صدر عن مجلس الامن الدولي او عن الجمعية العامة لمنظمة الامم المتحدة. ومع ذلك, ورغم كل التفاؤلات باحقاق الحق وتطبيقه او احترام مبادىء القانون الدولي فأننا لا نظن بأن امريكا ستتنازل عن عظمتها وتقبل بقرارات محكمة لاهاي... اذ لو فعلت ذلك لاعترفت ضمنيا بأنها في مأزق ولأكدت في ذات الوقت بأنها لم تكن على حق... وان اجراءاتها القسرية ضد الشعوب المستضعفة هي التي تحمل كل المخالفات المتصورة للقانون الدولي. جيم سواير, الذي يمثل اسر الضحايا البريطانيين في حادث لوكيربي صرح بأن قرارات المحكمة تجسد انتصارا للحق, وان يوم صدورها هو يوم عظيم. مضيفا بأن مجموعة اسر الضحايا لم تخف استياءها من قرارات مجلس الامن, وانها غالبا ما عبرت عن موافقتها باللجوء الى قضاء محايد. ومع ذلك فان امريكا وبريطانيا قد حاولتا الظهور وكأنهما اكثر عدالة ومروءة من اسر الضحايا. الحادث كان قد خلف 270 قتيلا وحيث ان القضاء الاسكتلندي الذي وقع الحادث فوق اراضيه قد اجرى تحقيقاته وخلص الى امكانية تورط شخصين ليبيين, فقد طالبت لندن وواشنطن ليبيا بتسليمهما المتهمين لمحاكمتهما. ورغم ان معاهدة مونتريال حول سلامة الطيران لا تجبر اي بلد من البلدان الموقعة عليها على تسليم رعاياها بل تسمح لها بمحاكمتهم بنفسها فان ليبيا وكدليل على حسن نيتها. لم تتمسك بمحاكمة المتهمين بواسطة القضاء الليبي انما اقترحت هذه المحاكمة ضمن اي بلد آخر محايد. ولأن امريكا وبريطانيا ليستا كالدول (العادية) ولا تحبان ان تهبطا الى مستوى الشعوب الادنى فقد تمكنتا من اقناع مجلس الامن باتخاذ قرار طبقت على اثره العقوبات ضد ليبيا, على امل اجبارها على تسليم مواطنيها. وردا على قرارات محكمة لاهاي فان وزير الخارجية البريطانية روبن كوك, وربما متهكما, قال بأن محكمة العدل الدولية قد قررت بحث المسائل المعقدة في قضية لوكيربي... وبالتفصيل ايضا الا انه اضاف جادا بأن العقوبات المطبقة على ليبيا ستستمر اي حتى انتهاء المحكمة من النظر في تلك المسائل ومن ثم اصدار قرارها النهائي, ونحن اذا ما علمنا بأن محكمة لاهاي قد احتاجت الى ست سنوات تقريبا لتفصل في موضوع الاختصاص فحسب فأننا نتساءل كم من السنوات ستحتاجها للفصل في القضية؟ وكأن روبن كوك يريد قطع الطريق على ليبيا فيما يتعلق برفع العقوبات, بل انه قد شدد ايضا بأن على الحكومة الليبية ان تسلم المتهمين لمحاكمتهما في اسكتلندا او امريكا, اذ انه بذلك يدين ليبيا حتى قبل صدور حكم المحكمة من خلال اصراره على ابقاء العقوبات, في ذات الوقت الذي يصر فيه على (التعنت القديم) بشأن رفضه لمحاكمة المتهمين امام قضاء محايد... ومن دون اي اعتبارات لقرارات محكمة العدل الدولية. اما بي.جي. كراولي المتحدث باسم البيت الابيض فقد اعتبر قرار المحكمة مجرد قرار فني, وانه بالنسبة لجيمس فولي المتحدث باسم الخارجية الامريكية ليس اكثر من قرار اجرائي تمهيدي... مضيفا بأن قرارات مجلس الامن هي التي ستبقى قائمة, وبعد ان اكد بأن العقوبات لن ترفع عن ليبيا... شد الانتباه بأن دراسة المحكمة للقضية ستستغرق سنوات, اي العقوبات ايضا, ليتفق في هذا السياق مع روبن كوك. في شتى الاحوال فان حسن النية العربي للجماهيرية هو الذي انتصر وسوء النية لكل من بريطانيا وامريكا هو الذي خذل الا ان الدولتين لن تقرا بالهزيمة, ولهذا فاننا لا نظن بأن المحامي عن المتهمين ابراهيم العويل اذا ما قرر ان يقترح على الخارجية الليبية لتطلب من مجلس الامن الدولي اضافة عبارة واحدة على قرار رقم 883 تفيد بأن اجراء المحاكمة في مكان محايد يفي بمطالب المجلس... اذا ما حصل فلن يلق صداه, لأن امريكا وبريطانيا ستعترضان حتما على اي تعديل مقترح... وخاصة اذا ما جاء من قبل الجماهيرية, ثم ان مجلس الامن ذاته لن يبدي استعداده للاجتماع الا اذا اعطته الولايات المتحدة الضوء الاخضر... وبديهي انها لن تفعل. المطلوب عربيا اذن تكثيف الجهود وتضامنها للتضييق على الدولتين ولاضافة حرج اشد على موقفهما الذي بات محرجا عالميا عقب صدور قرار محكمة لاهاي... اذ انهما ــ وحسب عصمت عبد المجيد ــ بمثابة الانتصار الكبير لليبيا... وتأكيدا لا جدال فيه بأن موقفها عادل كل العدل. محكمة العدل الدولية قد برهنت على مصداقية الكلمة العربية وان الكلمة الامريكية هي كلمة الارهاب الرسمي التي لا تحترم لا مواثيق دولية (معاهدة مونتريال) ولا مبادىء القانون الدولي ــ استنادا الى قرار محكمة لاهاي ــ وانها هي التي طالما اعاقت تطبيق الشرعية الدولية سواء الممثلة بمجلس الامن أم بالجمعية العامة للامم المتحدة... من خلال دعمها وتغطيتها للاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية ومن خلال تسترها على ترسانتها من اسلحة الدمار الشامل... ان لم نشأ التطرق الى المجازر التي غالبا ما ارتكبتها بحق المدنيين العرب, فاسرائيل لم تقصر في هذا السياق... وامريكا ايضا.

تعليقات

تعليقات