مستوظف أغا أفندم ـ بقلم محمود السعدني

أكبر دليل على ان حياتنا تمضي بالمقلوب واحوالنا مش ولابد, وافكارنا مغلوطة هو موقف البعض منا من نقابة العاملين بالصحافة والاعلام عندما ضمت الى عضوية النقابة عددا من الراقصات الشرقيات اللواتي يرقصن في دوري الدرجة الثالثة, مع ان موقف النقابة اياها يدل دلالة قاطعة على بعد نظر المشرفين على امور هذه النقابة وبدلا من شكرهم انهالوا عليهم لوما وتقريعا وتأنيبا وكأنهم ارتكبوا جريمة العصر, مع انهم فعلوا العمل الصحيح واتخذوا يهتفون للسيد الوزير ويطلبون للسيد اللواء المهندس الدكتور المستشار الوزير المحافظ, ويمسحون الجوخ للسيد رئيس المدينة, ويضربون تعظيم سلام للسيد مدير النظافة ويعملون عجين الفلاحة للسيد رئيس الحي. حضرات السادة من كبار المستوظفين هم في واقع الامر احفاد المماليك العظام من طبقة تقدمة الف وتقدمة مائة وتقدمة عشرة, وقائد طبلخانة وكاشف الغربية وملتزم الجيزة وصاحب الحسية وصاحب الشرطة. مماليك هذا الزمان يستحقون الثناء ولا بأس يا سادة من تدبيج الشعر في محاسنهم وجميل سجاياهم وحسن نياتهم. انظر مثلا الى هذا الوزير المستحفظان. وكيف يتحمل المشاق ويركب الصعب من اجل رفعة الوطن واسعاد المواطنين, ستراه يوما في الجامع يصلي الجمعة ويوما في الاستاد لمشاهدة المباراة التاريخية بين ماتوسيان والكروم, ويوما في المطار لاستقبال القادمين وتوديع المغادرين, الا يستحق مثل هذا المستحفظان ان نضرب له تعظيم سلام ونرقص له عشرة بلدي؟ ايام زمان كان اذا خرج المملوك من مصر الى قليوب, كتب الشاعر عشر قصائد في وصف الرحلة الميمونة وشجاعة سيدي المملوك في وجه العاصفة المجنونة ولكن هذا الزمان الذي نعيش فيه انقلبت احواله وتشقلبت اوضاعه, يكتب صحفي مغمور ينتقد السيد المستحفظان ويطلع علينا صحفي آخر برأي سخيف عن ممارسات السيد المدير والسيد الوكيل, وينسى هؤلاء وهؤلاء انه المستوظف له احترامه ورفيع مقامه, وعلى الرعية ان تنحنى اذا مر في موكبه, وان تضرب له نوبة صحيان اذا دلف الى مكتبه, فاذا اصاب المستوظف فياليلة بيضة, واذا اخطأ فيا ألف نهار ابيض. الا يكفينا انهم يتولون الاشراف على امورنا ويعرقون من اجل اسعادنا واطعامنا. واجب الصحفي او الكاتب او الشاعر ان يكتب (رأيه) في هؤلاء السادة المستوظفين الذين يستحقون التهاني واجمل الاماني وأرق الاغاني. ثم... من هو الموظف؟ اليس هو صاحب البلاد وراعي العباد؟ اليس هو الذي يصدر التصاريح ويخصص الارض للمستثمرين ويمنح الاذن بالبناء والاذن بالهدم وهو الذي يسمح بتوصيل مياه الشرب, ومد اسلاك الكهرباء, وانشاء الكباري العلوية وحفر الانفاق التحتية؟! اليس المستوظف هو العاطي المانع وهو الرازق والمانح؟ وهل يكون نصيب مثل هذا المخلوق نقدا في جريدة او خبرا مغرضا في مجلة؟ والعبد لله يجد نفسه مع هذا الرأي, خصوصا ان الله قال في كتابه الكريم, (ولئن شكرتكم لأزيدنكم) فعلى قدر شكرنا تكون خدمتهم لنا... ولذلك ينبغي ان نشكر ونشكر ونظل نشكر ونشكر, ثم نشكر ونشكر عندئذ سيضاعفون من جهدهم وسيزيدون من خيرهم, وسيصبح كل شيء على ما يرام, الحياة رخيصة والاوتوبيسات فاضية واللحمة رخيصة والهدوم ببلاش والسفر بنصف اجرة وموائد الرحمن في كل مكان! صحيح انه جاء وقت على مصر تعرض فيه السادة المستوظفين للشديد القوي, لدرجة ان رئيس جميع المستوظفين وهو رئيس وزراء مصر في العشرينات من هذا القرن عمنا وسيدنا وتاج راسنا دولة احمد زيور باشا كتب عنه كاتب ساخر يدعى الشيخ عبد العزيز البشري مقالا اتهمه فيه بالخيانة واعوذ بالله من غضب الله. كتب الشيخ المعمم عبد العزيز البشري يقول... هذا الرجل ــ زيور باشا ــ ليس شخصا واحدا ولكنه عدة اشخاص, لغده شخص واوداجه المنتفخة شخص, وجبهته العريضة شخص وكرشه المتكور شخص وعنقه الغليظ شخص وقفاه العريض شخص, واذا كنت اطالب بمحاكمته بتهمة الخيانة فالمشكلة اي شخص فيه نحاكمه هل نحاكم رأسه ام كرشه ام لغده ام قفاه؟ هل نحاكم وركه ام كتفه ام عقله؟ انها مشكلة بالفعل وان كنت اقطع بأن العضو الوحيد فيه البرىء من تهمة الخيانة هو عقله, وذلك لسبب بسيط هو ان عقله لا وجود له على الاطلاق. تصوروا كيف تبلغ الوقاح بهؤلاء الصحفيين الى هذا الحد؟ صحفي يتهم دولة رئيس الوزراء بالخيانة, ثم يقطع بأن عقل دولة الرئيس لا وجود له, ولكن اللي زاد وعاد انه كان موجودا في ذلك الزمان مستشار هو لطفي السيد باشا رئيس محكمة جنايات مصر. نظر قضية الصحفي المفلوت القلم ودولة الرئيس الذي له كل الاحترام وكل الاعتبار. والمصيبة الكبرى التي في حجم حي شبرا, ان السيد القاضي لم يجد في هذا الكلام ما يدين الصحفي الوقح فحكم عليه بالبراءة. وطبعا مثل هذا العمل الردىء لن يرضي الله وبالقطع فان الصحفي الوقح عبد العزيز البشري في النار. بينما يوجد دولة الرئيس النقي التقى البطل احمد باشا زيور في قصر من قصور الجنة على شاطىء نهر الكوثر ولكن هذا زمانا ومضى, اما الآن... ومن هنا فصاعدا, لابد ان يعود كل انسان الى حجمه الحقيقي. الباشا المستحفظان او الباشا المدير أو البيه الوكيل له كل الاحترام وكل الاغتبار وكل صحفي او كاتب له مطلق الحرية في مدح الباشا المستوظف وفي ذكر مناقبه وإحصاء حسناته وإبراز مميزاته. ومن حقه أن يسجل أفضاله, ولا جناح على أي صحفي إذا التزم جانب الصدق فذكر محاسن الباشا المستوظف, ويكون من حق الصحفي الملتزم بالصدق ان يقبل يد الباشا كلما وجد في نفسه الرغبة في ذلك.. لهذه الأسباب الموضوعية أجد نفسي في صف القائمين على أمور نقابة العاملين بالصحافة والإعلام. واقترح ايضاً ان يضموا الى طائفة الراقصات طائفة القرداتية, وحبذا لو ضموا ايضاً طائفة البهلوانات وبتوع النقرزان وحملة المباخر في الجنازات, وبتوع التلات ورقات. إنه إلهام من نوع خاص الذي جعل نقابة العاملين بالصحافة والإعلام تسمح بإنضمام الراقصات اللهلوبات بصفوفها أما حكاية أن الصحافة هي السلطة الرابعة, وهي لسان حال الشعب, وهي ترجمان الأمة, فكلها مجرد شائعات وأوهام صدقها بعض الصحفيين السذج. ولكنها حالة شاذة لن يسمح بها السادة المستوظفين, وعلى كل صحفي قليل الأدب طويل اللسان يتطاول على أسياده المستوظفين. ستكون واقعته سودة ونهار أبوه أزرق, ومحله المختار سيكون زنزانة رقم 9 في دور أربعة في عنبر (أ) في سجن القناطر, فإذا كان ليس من أنصار القناطر, ففي سجن طره متسع للجميع. ويا حضرات السادة المستوظفين, بالله ان السجن أحب الي مما تحلمون به, وأعتقد أنه أحب الى كل صحفي حقيقي ليس على مذهب نقابة العاملين بالصحافة والاعلام.. وكباريهات شارع الهرم!

تعليقات

تعليقات