قراءة في أحداث العالم: إعادة توحيد أوروبا: بقلم - ميشال جوبير

تعتبر وحدة أوروبا أفقا مستقبليا عظيما, وهي الى ذلك ذات مصداقية, ونقول ذلك دون ان ننتظر احداثا اخرى, فمن معاهدة روما الموقعة سنة ,1957 ضيعنا كثيرا من الوقت ولكن النتائج واضحة للعيان, ومن أجل إتمام نعمة الوحدة علينا القيام بعملين أساسيين. الاول هو الايمان بأن الوحدة هي قدر كل الاوروبيين, قدرهم الطبيعي, والثاني هو الاعتقاد بأن العالم الحديث الذي انفتح على مصراعيه عام 1989 بانهيار الاتحاد السوفييتي, يواصل وضع خطاه على والاقتصادية. وقد حضرنا في بداية الاسبوع الماضي ــ يومي الاثنين والثلاثاء ــ مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل حيث فتح الاعضاء الخمسة عشر مفاوضات مع شركائهم من أوروبا الوسطى لتوسيع الاتحاد وقبول الاعضاء الجدد (مع العلم بأن أوروبا الوسطى كانت الى عهد قريب تحت هيمنة الاتحاد السوفييتي) ومعهم جزيرة قبرص التي تمثل حالة استثنائية. كان اللقاء بالفعل (تاريخيا) ونعت (تاريخي) يكتسي هنا كل معانيه تصوروا ستة وعشرون دولة, أقرت العزم على إنشاء منطقة أمن وسلام وتقدم لم تكن تحلم بها من قبل. ونحن نعلم أن الخمسة عشر دولة المؤسسة لم تتوصل حتى بعد خمسة أعوام من معاهدة (ماستريخ) الى تحديد شكل مؤسساتي للاتحاد الاوروبي الموسع والمعمق. قصب السبق ورغم هذه الترددات, فان المجلس الوزاري الاوروبي المجتمع في بروكسل اعطى الانطباع بأنه مصمم. فقد تم توزيع الدول السبعة عشر المرشحة لدخول الاتحاد الى فريقين اثنين: الفريق الاول يتكون من ستة دول وهي استونيا والمجر وبولونيا والجمهورية التشيكية وسلوفانيا وقبرص, وتلقت هذه الدول ترحيبا اخويا ودليلا مطبوعا بقائمة الاصلاحات المطلوب انجازها حسب تواريخ ومواقيت حددها الاتحاد. وبالطبع فان الدول الافضل هي التي ستقبل في الاتحاد. ويمكن توقع ان تفوز سلوفانيا بقصب السبق فهي هذه المباراة. أما رومانيا وبلغاريا وليتوانيا وليتونيا وسلوفاكيا فهي ضمن الدول التي ستقع دعوتها لمناقشة الاصلاحات. وكل هذه الدول عبرت عن ارادة قوية لدخول الاتحاد الاوروبي وتمسكها بهويتها الاوروبية. ويوم الجمعة الماضي شرع الفريق الاول في تحليل القوانين الاوروبية مع لجنة الاتحاد (وعدد صفحات هذه القوانين 80 الف صفحة) وهي القوانين المطلوب ادماجها في القوانين الوطنية. وفي نهاية هذا العام ستنشر لجنة الاتحاد الاوروبي اول تقرير لها يقيم النتائج. ومهما كانت هذه النتائج فالاولوية ستعطي للدول التي قامت بمجهود كبير ملموس.. واستثنائي. فبولونيا على سبيل المثال اعطت لنفسها مهلة اربع سنوات للمفاوضة والتوقيع, بينما تأمل المجر التقدم بسرعة اكبر. اما شيراك وكول فقد اعلنا عن موعد عام 2002. الشروط الثلاثة ما هي المجهودات والاشكاليات التي ستعالجها أوروبا؟ هناك أولا المائة مليون أوروبي الذين سيلتحقون بالاتحاد. صحيح أن الدخل القوي لجميعهم سيوازي دخل هولنده, لكنهم كلهم يأملون كل الخير من العملة النقدية الاوروبية الموحدة ليجدوا في كنفها عيشة رغدة حينما يستوفون الشروط الثلاثة المعلن عنها في كوبنهاجن وهي: ــ ضمان المؤسسات الديمقراطية. ــ انشاء اقتصاد سوق ليبرالي. ــ القبول بالاندماج في اهداف الاتحاد الاوروبي سياسيا واقتصاديا ونقديا. ثم انه بالاضافة الى الجهود الوطنية التي يمكن ان تبذلها هذه الدول فان الاتحاد وعد باقتطاع مساعدة من ميزانيته التي تبلغ 1.27% من الدخل السنوي للقارة الاوروبية لمد هذه الدول بأدوات النهضة والاندماج من اجل توسيع الاتحاد مابين عام 2000 و 2006 بمبلغ قدره 75 مليار يورو (500 مليار فرنك فرنسي وحوالي 100 مليار دولار امريكي) ها نحن الان امام ترقيم محسوب للاندماج او مايسمى الشراكة من اجل الاندماج. وبالاضافة الى هذا نجد التعهدات باعادة هيكلة الصناعة الثقيلة البولونية ودعم القيمة المضافة في سلوفانيا وتفكيك مفاعل نووي في ليتوانيا وتجنيس الاجانب في استونيا ودعم استعمال اللغات الجمهورية في سلوفاكيا ومراقبة حدود بولوفيا. وفي كل هذه التعهدات لم يتردد الاتحاد في فرض منهج الحزم في التعامل مع هذه الدول ضمن استراتيجية واضحة. البديهيات ولكن مناطق الظل والشك ماتزال متواجدة, ومن ذلك المصير الذي ينتظر قبرص فهل يتم التريث حتى تقع تسوية وضعية القبارصة الاتراك؟ ونلاحظ ان الضغط الاوروبي اصبح قويا في هذا الاتجاه خاصة وان تركيا نفسها مرشحة للاتحاد منذ العام 1987 لكن دون رفع القيود السياسية والثقافية والدينية التي تعوق دخولها للاتحاد وكذلك الامر بالنسبة لمالطا التي لم تقرر الترشح والنرويج الذي قال لا لأوروبا مرتين خلال العشرين عاما الماضية وسويسرا ويوغسلافيا وألبانيا كذلك بين التردد وعدم التلاؤم. وتبقى اليوم قضيتان ساخنتان الاولى ذكرتها آنفا وهي اصلاح المؤسسات الاوروبية لتواصل عملها حين يتوسع الاتحاد ويتجاوز الخمسة عشر عضوا والثانية مزمنة وهي تتعلق بهدف التوسع, هل يدفع التوسع اوروبا نحو النظام الفيدرالي ام النظام الكنفدرالي؟ وانا انصح بعدم الاستمرار في هذه التمارين النظرية المتعبة. فمن هنا الى عشر سنوات سنرى النتائج وسنقيم مدى الوعي بالهوية الاوروية على مستوى المواطنين وعلى مستوى الشعوب, فالمقتضيات التاريخية تكشف عادة من البديهيات ومن هذه البديهيات ارادة الجميع في ترسيخ الاتحاد هذا الاسبوع في بروكسل.

تعليقات

تعليقات