إيران والدبلوماسية الجديدة: بقلم- الدكتور محمد الرميحي

اسئلة عدة طرحت اقليميا في الاسابيع القليلة الاخيرة هي : هل ايران بصدد تنفيذ سياسة جديدة مختلفة عن سابقتها تجاه الخليج والعالم, ام ان ما نشاهده على السطح هو مناورة سياسية لا تعدو ان تكون ستارا خارجيا لسياسة غير ودية مخبأة بقفاز مخملي؟ وهل هذه السياسة الجديدة هي تطبيق عملي لما دعا اليه الرئيس محمد خاتمي اطروحاته السياسية قبل وبعد تسلم سدة رئاسة الجمهورية الايرانية والتي ظهرت في كتابات عديدة استقبلها المثقف والسياسي العربي بترحاب؟ وهل هذه السياسة الجديدة متفق عليها لدى الاطراف الفاعلة في طهران ام هي تعبير عن اماني طرف واحد فقط هو الطرف المعتدل بينما يعارضها بوضوح او بخفاء طرف آخر متشدد, وايهما في ميزان السياسة الايرانية اثقل اليوم؟ تلك اسئلة تلح على المتابع وهو يراقب التحرك الدبلوماسي الايراني الحثيث في الاشهر القليلة الاخيرة. لقد اجابت الدبلوماسية الايرانية النشطة خلال الاسابيع الاخيرة والتي بدأت من زيارة هاشمي رفسنجاني رئيس مصلحة تشخيص النظام الى كل من المملكة العربية السعودية والبحرين في نهاية شهر فبراير الماضي, والتي لحقت بها زيارات عديدة من دبلوماسيين ايرانيين الى العديد من الدول العربية والخليجية كان آخرها في الاسبوع الماضي زيارة وزير الخارجية الايراني كمال خرازي الى اكثر من عاصمة عربية, وكذلك زيارة عبد الله نوري وزير الداخلية الايراني للمملكة العربية السعودية في الاسبوع الماضي. اجابت على بعض تلك التساؤلات, كما ان اجابات اخرى ظهرت فعليا في الممارسات الهادئة التي وعدت بها السلطات الايرانية ونفذتها البعثة الايرانية للحج هذا العام. ما ظهر من هذه السياسة الايرانية المعتدلة تجاه الخليج لا شك انه مرحب به, بل ومطلوب في هذا الوقت, وان كان هناك نقد يمكن توجيهه فهو ان الخطوات الجديدة جاءت متأخرة نسبيا, فقد كانت التوترات في هذه المنطقة دائما نابعة ـ خاصة في العقود الاخيرة القليلة ـ من التنافس غير الصحي وغير المبرر بين طموحات الدول الاقليمية الكبيرة في الخليج خاصة التنافس بين ايران والعراق, والتي انتهت كما نعرف جميعا ببحر من الدم دفعه غاليا شعب ايران وكذلك شعب العراق, ودفعت المنطقة بكاملها اثمانا باهظة في هذه المسيرة الدموية, وقد تبدلت الاوراق والمواقع اكثر من مرة خلال الفترة السابقة, الا ان التنافس والصراع ظلا اما متفجرين او مكتومين, ولم يظهر في الافق اي اعتدال حتى جاء اخيرا الرئيس محمد خاتمي بتصورات وافكار جديدة. ويعترف المراقبون بان هذه الافكار الايرانية الهادئة والمتجهة للتعاون, هي ايضا افكار آمن بها رفسنجاني كرئيس للجمهورية, ولكن الوقت لم يسعه لتطبيقها, لذا فان قائمة المعتدلين الايرانيين تتسع وتكبر وتكسب ارضا خصبة في الساحة الايرانية الان. هذا لا يعني انعدام بعض الخلاف العالق بين ايران ودول الخليج من المنظور السياسي, وهو جوهريا يتمحور حول نقطتين اساسيتين: الاولى والاهم هي الخلاف غير المعلن على تقييم السياسة العراقية الحالية, ودور النظام العراقي في المنطقة, فهناك بعض الدوائر في طهران رغم اعترافها بأن النظام العراقي يشكل تهديدا خطيرا للامن في المنطقة, ورغم معرفتها بأن هذا النظام لا يؤمن جانبه, وانه نظام لا يمكن الركون اليه, ولا يحقق الحد الادنى من طموحات شعبه, فان هذه الدوائر تأخذ موقف النظام العراقي (المعادي لفظا للولايات المتحدة) مأخذ الجد ليس حبا في معاوية ولكن كرها في علي كما يقول المثل العربي, وترى فيه من هذا المنظور (حليفا) مؤقتا ضد الولايات المتحدة التي تعتقد حقا او باطلا انها عازمة على زعزعة الوضع في ايران لاسباب خاصة بمصالحها الدولية, لذلك يرى هذا البعض ان التقارب ولو الشكلي مع العراق يرجح ابعاد السياسة الامريكية المعادية ويؤخر تأثيرها وفاعليتها. هذا الموقف ترى دول الخليج عكسه تماما, فالموقف من العراق بالنسبة لها, هو موقف مبدئي يرى ان النظام العراقي يضمر ويعلن سياسات التوسع واستخدام القوة, وهو نظام لا يمكن الركون اليه او تصديق مقولاته السياسية ووعوده الكاذبة, ولم تظهر حتى الان اي اشارات جادة بان هذا النظام قد تعلم من خطاياه الكثيرة, وحتى موقفه من ايران لا يخرج عن الموقف التكتيكي المؤقت للتهدئة والمناورة, بينما هو مصدر للتهديد المباشر. هذا الاختلاف التكتيكي من جانب ايران والاستراتيجي من جانب دول الخليج احد الملفات العالقة في فهم وتقويم السياسات ذات المدى البعيد بين شطري الخليج. الايرانيون ايضا بينهم وبين دول الخليج ملف الجزر العربية التابعة لدولة الامارات, وهي النقطة الثانية العالقة في ملف العلاقات الخليجية ـ الايرانية منذ زمن, وهي قضية شائكة ومعقدة جذورها تضرب بعيدا الى مخلفات زمن الشاه من جهة, والى الوجود البريطاني في الخليج من جهة اخرى, وموقف الجانبين منها لا يزال متباعدا, فمن جهة تريد ايران ان ينظر الى الموضوع كخلاف حدودي لا اكثر, ويمكن ان تتطور العلاقات بينها وبين دول الخليج دون ان يحل جذريا, وترى فيه دول الخليج موضوعا يشكل انتقاصا حيويا من سيادة احدى دولها وسابقة سياسية غير مريحة, والحلول المطروحة لحل هذا الخلاف تتراوح بين الاحتكام الى محكمة العدل الدولية, وتوسط طرف ثالث بين الطرفين المتنازعين, ولكن الملف على كل حال ساخن وشائك في الوقت نفسه ويظل معلقا ومفتوحا في آن. يزداد الامر تعقيدا في العلاقات الخليجية ـ الايرانية عندما نرى السياسة الايرانية من منظور تحركها الاوسع, فهي مؤخرا قد نشطت في الملف الفلسطيني الذي تأخذ فيه وجهة نظر حليفها القديم وربما المستمر اي سوريا, فالموقف السوري مثلا ضد الانسحاب الاسرائيلي من طرف واحد من لبنان, وضد مشاريع التحالف التركي ـ الاسرائيلي, ومع التحالف التكتيكي مع بغداد, وايران تأخذ جانب المواقف الثلاثة كما تقوم بتأييد نشط لمقاتلي حزب الله في الجنوب اللبناني, لذلك, فإن المساهمات الايرانية في الحلبة المعقدة لتضاريس السياسة الاقليمية في الشرق الاوسط قد تجبرها على اتخاذ موقف من هذه القضية ارضاء لطرف, وفي نفس الوقت تثير عليها طرفا آخر, ولو ضربنا مثلا بموقفها مع الحليف المستمر حتى الآن وهو سوريا, فإن اطرافا كثيرة سوف تؤيدها في الموقف من اسرائيل او معارضة الانسحاب من طرف واحد من جنوب لبنان, ولكن سوف تختلف معها مثلا في محاولات تأهيل نظام صدام حسين حتى لو كان ذلك يرضي حلفاءها التقليديين, فهو بالتأكيد يخيف بعض القطاعات الايرانية الداخلية, ويرعب بعض الاطراف الخليجية. على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة يبدو ان حبل الوفاق قد امتد وتواصل وتحول الى خطوات عملية منذ تصريحات خاتمي قبل بضعة اشهر حول تمجيد كفاح الشعب الامريكي, وتثمين مساهماته الحضارية, فقد اعلن في الاسبوع الماضي ان مكتبا ثقافيا اعلاميا امريكيا سوف يفتح في العاصمة الايرانية ملحقا بالسفارة السويسرية التي ترعى المصالح الامريكية, ولا معارضة ايرانية لهذه الخطوة بل ثمة ترحيب, ومعروف انه من خلال سويسرا تجرى الاتصالات غير المعلنة بين الجمهورية الايرانية والولايات المتحدة منذ زمن, ومن بين ما تحقق تبرز الزيارة الاشهر لفريق المصارعة الامريكي, وبعد حضور نائبة الرئيس الايراني ملتقى دافوس الاقتصادي الشهير والذي تحدثت فيه عن علاقات جديدة لايران بالغرب, ومع ربط ذلك برفض الادارة الامريكية طلبا من الكونجرس الامريكي بانشاء محطة اذاعة للمعارضة الايرانية, يمكننا ان نرى على اي الصعد تتطور الثقة الايرانية الامريكية, وكيف تتطور لغة التخاطب ايضا. هذا التطور مرحب به في الخليج لانه ينزع فتيل الصراع بين الدولة الكبرى (الولايات المتحدة) والتي تتطابق مصالحها اليوم مع مصالح دول الخليج في الوقوف امام التهديدات التوسعية والحروب الاقليمية التي يقول بها دعاة التوسع خاصة النظام العراقي, مع تهدئة المخاوف الايرانية. الا ان الملاحظة الاهم في توجهات السياسة الايرانية الاخيرة هي اكتشافها اهمية العلاقة المتوازنة مع المملكة العربية السعودية كونها الدولة الاكبر في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي, وكونها ايضا مفتاحا لعلاقات عربية متوازنة, وبعد خلاف ايديولوجي مضخم اكتشف الايرانيون انه دون علاقات متوازنة مع المملكة العربية السعودية, تبقى علاقاتهم العربية مهما اتسعت ناقصة, لذلك فان تكثيف الزيارات والمشاورات ينبىء عن الاعتدال الايراني المرحب به, ويبشر بأن ايران تغادر بشكل صحي عنت الثورة وفورتها وتتجه الى تعقل الدولة والحفاظ على مصالحها. ولكن السؤال الذي يبقى امام المحلل ليتابعه هو: ماهي الايجابيات من تقارب حقيقي خليجي ــ ايراني يحقق المصالح ويقارب بين الشعوب؟ لاشك ان المعادلة العربية ــ الايرانية هي التي كانت مفتقدة لعقود من السنين, وقد تغلبت الشكوك والمخاوف على تلك العلاقة واحاطتها بالريب لزمن طويل, واهالت عليها ايضا من التصورات الخاطئة ما راكم الحواجز بين الشعوب, ولم تكن المطامع العراقية لامتداد النفوذ بعيدة عن هذا التراكم السلبي بين الايرانيين وعرب الخليج, وعندما ترى القيادة الايرانية الجديدة انه من الحكمة تجاوز هذه الحواجز, فلابد ان يبنى عليها بجدية من قبل اهل الخليج, حيث ان ايجابيات التعاون والتقارب تفوق بكثير اي فوائد ان وجدت للتنافس والتنافر. هناك الامن المشترك وهناك الاقتصاد المتكامل وهناك الكثير من تبادل المنافع لمصلحة الشعوب, ولكن الاهم ان يتحول هذا التقارب الى سياسة ثابتة تحاول جاهدة التغلب على العقبات المتبقية في حل الملفات السياسية العالقة, وتبدأ على الارض سياسة حسن الجوار.

تعليقات

تعليقات