مأزق المبادرات الدولية في الشرق الأوسط: بقلم - فايز سارة

بدأ الأمين العام للامم المتحدة كوفي عنان جولة له في الشرق الاوسط في أول اهتماماتها البحث مع قادة دول المنطقة والمسؤولين فيها في قضية السلام في المنطقة والجهود المبذولة لتنشيطها, وقد جاءت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة للمنطقة في وقت لم تنته بعد جولة وزير الخارجية البريطاني روبن كوك الى عواصم المنطقة في خطوة بريطانية ــ أوروبية مشتركة لرؤية آفاق وامكانيات استئناف العملية السلمية بين العرب واسرائيل في ظل توقف المفاوضات على وإذا عدنا أسابيع قليلة الى الوراء, نتذكر ان عواصم المنطقة كانت قبلة لتحركات دولية متوالية, وإن بدت التحركات الأوروبية فيها أكثر حضوراً وبروزاً فقد زارها وزراء مبعوثون ونواب من بلجيكا وفرنسا وايطاليا والولايات المتحدة, وروسيا ودول أخرى, وكان بين الاهداف الرئيسية لهذه الجولات البحث في موضوع التسوية وسلام الشرق الاوسط من خلال استئناف المفاوضات المتوقفة على المسارات كافة. ولعله أمر لا يحتاج الى تأكيد القول ان هذه الجهود, لا يمكن ان تكون جهوداً فردية, بل هي جهود جماعية, حتى وإن كان بعضها يمضي دون تنسيق منفصلاً عن الآخر, ذلك أن هذه الجهود تبذل في سبيل هدف واحد, وتصب في سياق واحد, يعكس إرادة المجتمع الدولي ورغبته في إخراج المنطقة من حالة الجمود, وإحلال الأمن والسلام والاستقرار فيها, استناداً الى أسس تمت صياغتها في مؤتمر مدريد عام 1991 بالاعتماد على قرارات الشرعية الدولية ولا سيما القرارين 242 و338, ومبدأ (الأرض مقابل السلام) . ولعل هناك مؤشرين آخرين حول جماعية الجهود المبذولة لدفع عملية السلام في المنطقة, أولهما الدور الاوروبي العام الذي كرس مبعوثاً دائماً يمثله في المنطقة السيد موراتينوس, والثاني هو الاعلانات التي يؤكدها المبعوثون كافة من أن جهودهم لا تتعارض مع المبادرة الامريكية التي انطلقت عام 1990, وكرسها مؤتمر مدريد. غير أن نتائج الجهود الماضية جميعاً, لم تثمر في حلحلة الموقف الاسرائيلي, ودفع حكومة بنيامين نتانياهو الى تغيير مواقفها وسياساتها في التنكر لاتفاقات جرى توقيعها مع الفلسطينيين في أوقات سابقة حول الانسحابات من الأراضي الفلسطينية أو ما يطلق عليه إعادة الانتشار الاسرائيلي, وحول الاستيطان في الضفة وبخاصة في القدس, كذلك تنكر حكومة نتانياهو لاتجاهات ومضامين المحادثات على المسار السوري ـ الاسرائيلي الذي تم بين ممثلي سوريا واسرائيل في ظل الحكومة العمالية السابقة, وكان فيها إقرار اسرائيلي بانسحاب كامل من مرتفعات الجولان السورية المحتلة في إطار تسوية سياسية على جبهة الصراع بين سوريا واسرائيل. ومقابل التعنت والتشدد الاسرائيلي, كانت الجهود المحيطة بالمبادرات المتوالية, تثمر عن تأكيدات من الاطراف العربية كافة بما فيها الأطراف المعنية بالمفاوضات عن رغبة حقيقية في السلام, وأن السلام خيار استراتيجي, ولانه كذلك ينبغي ان يقوم على أسس تؤكده سلاماً عادلاً وكاملاً. وتقديراً فإن جولة وزير الخارجية البريطانية روبن كوك, وجولة الأمين العام للامم المتحدة كلتاهما, لن تخرجا عن النتائج السابقة, بل ربما يضيف الاسرائيليون من جهتهم الى تلك النتائج اتهامات يكيلونها كجهود كوك ــ عنان بزعم انحيازهما الى العرب, ومعاداة اسرائيل, وقد بدأت حملة كهذه نحو وزير الخارجية البريطاني قبل أن يغادر اسرائيل, وهي حملة كان العديد من زوار المنطقة الذين عملوا لتنشيط عملية السلام هدفاً لها, ومن بين هؤلاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك, ووزير الخارجية الروسي يفغيني بريماكوف. وتطرح نتائج تلك الجولات سؤالاً عن حقيقة جدوى هذه الزيارات, وعن الضرورات التي تحيط بها. والحقيقة فإن لهذه الزيارات, بغض النظر عن نتائجها, جدوى في اتجاهين الأول, ابقاء قضية سلام المنطقة في دائرة الاهتمام الدولي والاقليمي المباشر, بحيث أن لا يغيب عن الرأي العام الدولي ضرورة السعي لحل مشاكل المنطقة, وهي بين المناطق الأهم والأكثر حساسية في العالم, والاتجاه الثاني لجدوى جولات وزيارات المنطقة, يتمثل في كشف حقيقة الموقف الاسرائيلي بكل تعنته وتشدده وتطرفه, الأمر الذي من شأنه ان يسحب من تحت أقدام اسرائيل ودبلوماسيتها اكذوبة السعي الى سلام في المنطقة, وإلى تسوية الصراع العربي ــ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية, وهي قضايا كثيراً ما جاهرت اسرائيل تضليلاً بأنها تسعى في سبيلها. لكن أهمية هاتين النتيجتين, لا يمكن ان ترقى الى الهدف الأساسي في أهداف الجولات والزيارات الدولية للمنطقة في تحريك العملية السلمية وإطلاقها نحو أهدافها في إقامة سلام عادل وشامل ودائم, وهي أهداف يحول دونها موقف اسرائيل وحكومتها, بل أن ذلك الموقف إنما يمثل مأزقاً في وجه المبادرات الدولية في المنطقة, وعندما يتم تجاوز ذلك المأزق, فإن أهداف المبادرات تصبح قابلة للتحقق بانسحاب كامل من مرتفعات الجولان السورية المحتلة في إطار تسوية سياسية على جبهة الصراع بين سوريا واسرائيل. ومقابل التعنت والتشدد الاسرائيلي, كانت الجهود المحيطة بالمبادرات المتوالية, تثمر عن تأكيدات من الاطراف العربية كافة بما فيها الأطراف المعنية بالمفاوضات عن رغبة حقيقية في السلام, وأن السلام خيار استراتيجي, ولأنه كذلك ينبغي أن يقوم على أسس تؤكده سلاماً عادلاً وكاملاً.

تعليقات

تعليقات