قضايا تصنع المستقبل: كيف نستأصل كراهية اليهود من الثقافة الأوروبية؟ بقلم - رجاء جاروري

أعتقد مخلصا ان الوهم الكبير الذي تعيشه اسرائيل منذ نشأتها عام 1948 هو تزييف التاريخ وتدليس الذاكرة الجماعية. فادعاء جناح واسع من الرأي العام الاسرائيلي بأن العرب هم اعداؤهم هو ادعاء فارغ من محتواه ولا يستند الى واقع. فالعرب واليهود عاشوا خلال اغلب مراحل التاريخ في وفاق, واعتبر المسلمون اليهود كتابيين فلم تقع مصادمات تاريخية تذكر بين المسلمين واليهود, بل اننا نجد من بين اليهود من اشتهرت في الحضارة الاسلامية بالطب والهندسة وأكيد ان اسرائيل تعلم هذه الحقيقة لكنها تفضل اخفاء ما, بل الصراخ بعكس الحقيقة خدمة لأغراض عدوانها الاستعماري على شعب فلسطين وأراضي فلسطين. وفي نفس الوقت الذي يتكلم فيه زعماء اسرائيل بهذه المغالطة فإنهم يسكتون عن حقيقة تاريخية ساطعة كالشمس, وهذه الحقيقة هي ان الثقافة الاوروبية الكلاسيكية مليئة بالحقد على اليهود وبما يسمى اليوم (معاداة السامية) لماذا؟ لأن اليهود في هذه المرحلة من تاريخهم يحتاجون الى ابتزاز أوروبا ـ حكومات ومصارف ورأيا عاما ـ ولا يخدمهم ان يُذَكِّروا أوروبا بهذه الحقيقة المخزية حفاظا منهم ــ ومن الأوروبيين ـ على حسن التعاون الاستراتيجي بين اسرائيل والمجموعة الأوروبية وحتى لا يكون ادارة الصراع العربي الاسرائيلي وأوراقه كلها في ايدي واشنطن. اذن فمن صالح الجانبين السكوت عن تلك الحقيقة, بل واذا امكن تعويضها ببهتان (كراهية العرب لليهود) و(استعداد الطرف الاسلامي لتدمير اسرائيل!) وغير تلك الشعارات الكاذبة التي يرددها الرأي العام الامريكي بشراهة كررتها الوزيرة مادلين أولبرايت في جولتها (الشرق أوسطية) للمزيد من البهتان. وفي الحقيقة لم تخف الوزيرة الامريكية منذ ان كانت ممثلة للولايات المتحدة في منظمة الامم المتحدة انها تؤمن بعقيدة (الرباط الاستراتيجي بين مصالح الولايات المتحدة الامريكية وبين تفوق اسرائيل العسكري والسياسي) , حتى قبل ان (تكتشف) انها من اصل يهودي. وذلك ما كان يفعله هنري كيسنجر لكن بأكثر حذر وبأكثر دهاء لأنه كان يجيد التعامل مع القادة العرب. ونعود الى مسألة كراهية اليهود في الثقافة الأوروبية لنشير الى ان بعض الكتب الجديدة الصادرة في الغرب تحدثت عن هذا الجانب الخفي وفضحت كراهية ــ تكاد تكون شعبية عامة ــ لليهود في الخيال الجماعي الأوروبي. فقد صدرت الترجمة الفرنسية لكتاب الصحفي البريطاني (توم باور) TOM BOWER منذ اسابيع قليلة والكتاب بعنوان (الذهب النازي) ويكشف عن تمويل أرصدة اليهود في المصارف لعملية اضطهاد اليهود أنفسهم في ارجاء أوروبا. فالحكومة الألمانية النازية كانت تعتمد على أموال ضحايا النازية لتسهيل عمليات تجميعهم في محتشدات وضرب الرأسمال اليهودي. ومع صدور هذا الكتاب ظهر شريط سينمائي امريكي بنفس الاسم NAZI GOLD الذهب النازي للمخرج (ديفيد جورنا) يستعرض قصة شيوع كراهية اليهود في أوساط الاقتصاد والتجارة والمصارف. وصدر في فرنسا كتاب مترجم عن الانجليزية عنوانه (الجلادون المتطوعون في خدمة هتلر) (LES BOUR REAUX VOLONTAIRES DE HITLER) ومؤلفه باحث اسمه (جولهاغن( يكشف عن حقيقة ان اضطهاد اليهود لم يكن من عمل السلطة النازية الهتلرية وحدها بل (تطوع) له جلادون بمحض اختيارهم من كل درجات السلم الوظيفي والاداري والاجتماعي في اغلب الدول الاوروبية, بل يكشف الكتاب المذكور عن منظمات وصحف وبلديات (تطوعت) جميعها لتجميد سياسة هتلر بحماس يكاد يكون تلقائيا, ذلك لأن طيف كراهية اليهود كان طيفا خفيا كالشبح لكنه موجود في اعماق الضمائر الشعبية نظرا للخرافات والاساطير والوقائع التي صنعت الخيال الجماعي الاوروبي المسيحي وجندت ضد المصالح اليهودية . أما في فرنسا فإن الكتاب الذي عالج موضوع تأصل كراهية اليهود في الثقافة الفرنسية ــ والأوروبية عامة ــ فهو من تأليف الفيلسوف الاجتماعي اليهودي الديانة (درنار هنري ليفي) وعنوان الكتابة الايديولوجية الفرنسية L IDEOLOGIE FRANCAISE) وملخصه ان الاعمال الادبية والفنية الفرنسية الكبرى تعج بفكرة استهجان طبائع اليهود من (موليار) الكاتب المسرحي الشهير الذي عاش في القرن السابع عشر وأظهر في مسرحياته الهزلية الساخرة شخصية اليهودي المرابي الشحيح الذي يهون لديه كل شيء ــ وكل القيم والمثل ــ من اجل كنز المال وتعداده. الى (فولتير) الفيلسوف المعروف في القرن الثامن عشر (قرن الانوار) حيث لم يكن رحيما ازاء تصرف اليهودي الاقتصادي ودرجة اندماجهم في المجتمع الفرنسي الى الشاعر الفرنسي الشهير الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين (شارل بيغي) وقصائده التي تندد بتولي اليهود بعض المناصب في الادارة الفرنسية. أما عن الثقافة الألمانية فيقول (برنار هنري ليفي) انها عامرة بفكرة طرد اليهود خارج النسيج الاجتماعي الألماني وذلك من الشاعر الشهير (غوته) الى الموسيقار الأشهر (فاجنر) بل ان بعض الباحثين الجامعيين الألمان اعتبروا ان (غوته) و(فاجنر) هما اللذان نشأت من عهدهما النازية وكراهية السامية وبعد ذلك اضطهاد اليهود في عهد هتلر. هنا يكمن سر تسرب الأدمغة اليهودية الى مواقع القيادة في المجتمعات الأوروبية والأمريكية واعتماد اللوبيات اليهودية في الغرب على عروج النخبة المصرفية والاعلامية والسياسية اليهودية الى قمم سطلة القرار. واذا نظرت اليوم الى الحكومة الأمريكية فأنت في غنى عن الحجج والبراهين التي تثبت ذلك وكذلك الى قيادات المال والأعمال وأصحاب القرار في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا واسبانيا وأورربا الشمالية في عملية تطويق عالمية لا تتأخر امام التقنيات الحديثة للاعلان والاستثمار والترويج والتسويق.

تعليقات

تعليقات