أيهما أولا: التحول الديمقراطي أم الإصلاح الاقتصادي في أفريقيا؟ بقلم- رشدي أبو الحسن

المعضلة التي تواجهها كثير من الدول الافريقية, في هذه المرحلة, هي اجراؤها لعملية الاصلاح الاقتصادي, بالشروط والالتزامات, التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وفي نفس الوقت الانصياع الى ما تمليه البيئة الدولية بالالتزام بتحولات ديمقراطية, تتمثل على الاقل, الى ما تشير اليه صناديق الانتخاب . الاصلاح الاقتصادي والديمقراطية, المطلبان لا ينفصلان, بل يلتقيان في أكثر من نقطة. أوضحها كما لاحظ أحد المسؤولين الافارقة كيف يمكن لحاكم أن يقول لشعبه ان نتائج الاصلاح الاقتصادي, الذي لا مفر من تنفيذه, لمجاراة التطور العالمي ولامكان الحصول على المساعدات, تتمثل في فقدان كثيرين لوظائفهم, وفي رفع الدعم الحكومي عن بعض السلع, وتحرير الاسعار, كيف يمكن لحاكم ان يقول هذا ويتوقع في نفس الوقت ان يقف الناس في طوابير الانتخاب للادلاء بأصواتهم لصالحه؟! وكثير من المراقبين والمعلقين والخبراء الغربيين في الشؤون الافريقية, الذين ينشرون آراءهم ووجهات نظرهم حول الاوضاع في افريقيا, وتترجم الى اللغة العربية, من الصحف أو الدوريات في البلدان العربية, تضع يدها على هذه النقطة, وتتناولها بالتحليل والتقييم, في كل بلد افريقي على حدة, أو في كل منطقة اقليمية تربطها روابط مشتركة, او في القارة ككل. ولابد ان هناك خبراء محليين, ممن يعرفون بلدانهم وظروفها حق المعرفة, بل هناك خبراء من ابناء القارة, ممن لديهم القدرة على التعميم, ووضع اليد على ماهو مشترك, وابتكار الحلول على مستوى القارة, من انتبهوا منذ وقت مبكر الى جذور المشكلات الكبيرة, التي تعصف بالقارة وتهدد مستقبلها وحاضرها وأسس حياتها والى الحلول المثلى لهذه المشكلات. ولكن المراقبين الغربيين, لديهم من البيانات والمعلومات والوقائع والتحليلات, عن الواقع الافريقي, مالا يتوفر في كثير من الاحيان الى ابناء البلد. ولذلك فحوارهم حول الترابط والتناقض بين مطلبي الاصلاح الاقتصادي والديمقراطي في القارة الافريقية, يلفت الانتباه, ويستحق التأمل. والاراء ووجهات النظر هذه, التي نقرأها مترجمة الى العربية, لا تعبر في معظم الاحوال عن الاراء الرسمية أو الحكومات او مراكز صناع القرار, وانما تعكس وجهات نظر اصحابها من صحافيين أو كتاب او متخصصين يعرفون القارة الافريقية ويزورون بلدانها ويلتقون مع قادتها. وترصد المقالات الغربية الخاصة بافريقيا انه منذ ,1990 أي منذ بداية العقد الذي رفع فيه الغرب مطلب التغييرات الديمقراطية امام بلدان العالم الثالث فان ثلاثين بلدا من بين 42 بلدا افريقيا جنوب الصحراء, قد جرت فيها انتخابات, واربع دول يحكمها حكام عسكريون, وثماني دول تعاني من الفوضى وانهيار الدولة مثل الصومال وليبيريا. ولكن اذا اقتربنا قليلا من الواقع, فان هؤلاء المراقبين يرصدون انه من بين الدول التي اجريت فيها انتخابات ديمقراطية, فان ثماني فقط يمكن تصنيفها بأنها ديمقراطيات قائمة على اسس سليمة. الحكام العسكريون ولان موضوع الديمقراطية في افريقيا, موضوع اشد تعقيدا من الاكتفاء بتطبيق المقاييس الغربية عليه, أو تعميم نفس المعايير على كل بلد, فان احد المراقبين لاحظ ان الناخبين قد اختاروا بالفعل والحكام العسكريين عندما رشحوا أنفسهم. وبكلمات هذا المراقب: (بينما يصر باقي العالم على ان الحكومات يجب ان تكون منتخبة ومكونة من المدنيين والمؤهلين الخاضعين للمحاسبة, فان معظم الافريقيين مازالوا يحبون الرجال ذوي الاسلحة ويفضلونهم بالديمقراطية أو بدونها) . والاقرار بهذه النتيجة ــ التمسك بالحكم العسكري ــ لا يعني أبدا ان الافريقيين معادون للقيم الديمقراطية الاصيلة, بقدر ما تعني ان الانتقال الى الحكم الديمقراطي, يتم في ظروف بالغة التشوش وعدم الاستقرار والفقر وان معاناة المواطن الافريقي من أجل الحفاظ على حياته هي شاغله الأوحد. واستطرادا لهذا المعنى فان هؤلاء المراقبين الذي يمكن اعتبارهم محايدين الى حد ما, يطروحون سؤالا حول الأولويات, بم يبدأ الافريقيون أولا؟ بالتحول الديمقراطي يرسخون أسسه ويقيمون دعائمه, أم بالاصلاح الاقتصادي, والمفروض فيه انه يساعد على تنمية اقتصادية تعود الى استقرار اقتصادي يقضي على الفقر الذي ينهش لحم افريقيا (43% من الافريقيين يعانون من الجوع و8% من الاراضي الصالحة للزراعة يتم ريها) وليست هناك اجابة سهلة, او اجابة واحدة, يمكن الرد بها على هذا التساؤل. وما يمكن تسجيله ان الغرب يطالب افريقيا باجراء انتخابات. في نفس الوقت الذي يضغط فيه البنك الدولي ومعه صندوق النقد لتحرير التجارة والاستثمار وبيع الشركات المملوكة للدولة وتعويم العملات وخفض المصروفات. وعلى افريقيا تحمل تبعات تنفيذ هذه النصائح والاملاءات, أي عليها ان تمضي في طريق الاصلاحات الاقتصادية والتحول الديمقراطي في نفس الوقت. بعد الحرب الباردة والمسألة ليست في الاختيار بين الديمقراطية والاصلاح الاقتصادي فافريقيا تحتاج لكليهما معا, وتحتاج الى غيرهما للمعافاة من الامراض القاتلة التي تكسر ظهرها. ولكن بشرط ان تكون هذه الخيارات نابعة منها, وتلبي مصالحها العاجلة والآجلة. وليس معنى هذا أيضا انها تختار طريقها, دون مراعاة للعالم وللبيئة الدولية وللنظام الدولي الذي تعيش في ظلاله. ولكن معناه ادراك ان الغرب لا يهتم بالا بمصالحه الخاصة, عند تعامله مع افريقيا. واذا كانت افريقيا في مرحلة الحرب الباردة, وانقسام العالم الى معسكرين متنافسين, وجدت طريقا لتحقق بعض اهدافها, منتهزة التنافس بين المعسكرين على خطب ودها وكسبها الى معسكرها, فانها في المرحلة التي تلت نهاية الحرب الباردة, وجدت نفسها في العراء. ان مرحلة مابعد الحرب الباردة, كشفت الغطاء البالي الذي كانت تتستر به افريقيا, وخلال سنوات قليلة مزقتها الحروب الاهلية والصراعات العرقية والكوارث البيئية والازمات الاقتصادية والحكام المستبدون. ولم تجد احدا يمد لها العون. بل علت اصوات في الغرب, تطالب برفع اليد عن افريقيا لانها حالة ميئوس منها, وان اي محاولة لاصلاح احوالها مكتوب عليها الفشل. والغرب يعرف ويرى مصالحه جيدا, ولن يضحى بشيء في سبيل الآخرين. واذا كان المسؤولون في الغرب يكررون ان تطبيق الديمقراطية, سوف يساعد على تحقيق الاصلاح الاقتصادي في افريقيا. واذا كان بعض الحكام في افريقيا يعلنون دون مواربة ان الحكومات غير الديمقراطية وحدها هي التي تستطيع تحقيق هذا الاصلاح. فإن مصلحة افريقيا وخروجها من الوهدة التي تتردى فيها, ليست في كلا الوصفتين. فالحكم الاستبدادي لم ينهض بوطن أبدا والوصفة الخارجية لاتلائم كل بلدان العالم اذا لم تمتزج بتربة ذلك البلد. ان احدا لم يثبت حتى الآن, ان تطبيق مبادىء الاصلاح الاقتصادي كما وضعها البنك الدولي, قد حلت مشكلات بلد ما او حققت اهدافها في النمو الاقتصادي, كما ان رفضها جملة وتفصيلا, لايثبت العكس. والتحول الديمقراطي لايتم بقرارات, وانما هو نتاج تطور طويل, وواقع اجتماعي واقتصادي وثقافي يستند على تراث عميق الجذور, وكونه لايتم بقرارات لايعني الانتظار, وانما يعني البحث عن البداية الصحيحة والسير على طريق صعب. ماهو المطلوب والسؤال الاصعب هو ما الذي يجب فعله في هذه اللحظة المعاصرة من لحظات التطور؟ من بين المقالات التي ينشرها الخبراء والمراقبون الغربيون, اقتبس فقرة نشرتها الهيرالد تريبيون بقلم مانس كارلسن وترجمتها جريدة الجرائد العالمية التي تصدرها هيئة الاستعلامات المصرية. يقول الكاتب: لقد دخلت السياسة الافريقية مرحلة جديدة, وكلما كان الاعتراف بذلك مبكرا, كلما كان ذلك افضل ان افريقيا في حاجة الى تغيير علاقاتها مع العالم, والاكثر اهمية هنا هو تغيير العلاقة الخاصة بالمساعدات ان المساعدات ينبغي ان تكون من اجل المساعدة الذاتية, وليس من اجل مصلحة دول اخرى, فالهدف من المساعدة هو معاونة البلد بحيث يعتمد في تطوره على نفسه. ويستطرد الباحث: ان البنك الدولي يقدم بديلا وحيدا. وتغيير هذا الوضع ينبغي ان يأتي من الدول الافريقية نفسها, واذا ما استطاعت الدول الافريقية تحقيق الاستقرار لاقتصادياتها, فإنها سوف تستعيد حريتها في تقرير سياساتها. وجانب هام في عملية الاستقرار الاقتصادي, هو الاعفاء من الديون, وهو كما ترى يوجه رسالته الى الغرب, يناشده اذا كان مخلصا لمساعدة افريقيا ان يعفيها من عبء الدين الذي لايبقى لها شيئا لتبني عليه. وليس هذا مجال الحديث عن الديون وكيفية التعامل معها, وانما فقط نشير الى الادوار التي يمكن ان يلعبها الغرب في مساعدة العالم الثالث وفي مقدمته افريقيا. ومن بين الاسهامات الحقيقية للغرب حل مشكلة الديون, ولا نقول الغاءها, حلها بطريقة تساعد الدول الفقيرة, ولاتكسر ظهرها. منتدى اثيوبيا ولكن ماهو المطلوب من الافريقيين انفسهم؟, هذا هو الذي يجب ان نبحث عنه ونركز عليه ونوجه اليه الانظار. فما لم يأخذ الافريقيون قضاياهم بأيديهم, ويواجهون عيوبهم ومشكلاتهم, فإن احدا لن يمد لهم يد العون. ان التحول الديمقراطي والاصلاح الاقتصادي, ليست مطالب غربية, ولكنها رايات يجب ان ترفعها الدول الافريقية لمصلحة بلدانها وشعوبها, وليس استجابة للمطالب الغربية. يجب ألا تكون القضية ان نجعل الديمقراطية في مواجهة الاصلاح الاقتصادي, ولكن ان يكون كلاهما جناحان للنهضة الافريقية والتقدم الاجتماعي. وهناك بشائر في اكثر من مكان من القارة تبعث على الامل (فمنتدى اديس ابابا) الذي انعقد في اثيوبيا في الاسبوع الاول من مارس هذا العام, لجذب الاستثمارات من الغرب ومن دول الخليج العربي, يبحث عن طريق للتنمية يشقه الافريقيون بأنفسهم. فالمنتدى هدفه جذب الاستثمار لاثيوبيا, ولكن عنوانه (منتدى اديس ابابا حول التجارة والاستثمار في افريقيا) والمناقشات جرت في المنتدى كما يبدو مما نشر عنه بروح جماعية. ومن الكلمات التي ترددت: منذ اكثر من عامين ونحن نشهد محاولات جديدة, تهدف الى لفت انظار العالم, تجاه زاوية تعتبر من اكثر بقاع الارض خصوبة, وهي تنهض اليوم بطريقة تكاد تكون جماعية ومتكاملة, حتى انها اصبحت تسمى بمرحلة النهضة الافريقية, يتقدم هذه الحركة زعماء جدد يترسخ في وعيهم التقدم الافريقي الشامل عبر الحدود الاقليمية, ومن هؤلاء الزعماء ملس زيناوي رئيس الوزراء الاثيوبي والرئيس الاوغندي موسيفينى وخليفة نلسون مانديلا, تابو مبيكي) . ومن البشائر الاكثر وضوحا, الدور الذي تلعبه دولة جنوب افريقيا, بعد سقوط نظام التمييز العنصري, ليس كبلد ذي اقتصاد قوي فقط, ولكن كقوة اقليمية, تتكامل مع دول الجوار, وتثير جوا من القوة والامل والنجاح في ربوع القارة كلها. ان افريقيا تقاوم التخلف والفقر والفساد والاستبداد. وطريق الانتصار طويل. ولكنه ممكن.

تعليقات

تعليقات