الممتلكات الثقافية وإعادتها إلى بلدانها الأصلية: بقلم- د. تيسير الناشف

لقد نشأ تفاعل بين الانسان منذ نشأته الاولى والبيئة الطبيعية التي حوله, وحاول الانسان ترويض البيئة الطبيعية التي حوله وتسخيرها لتلبية حاجاته وتفاعل الانسان ايضا مع بيئته الاجتماعية وكان الانسان منذ العصور الغابرة يتسائل عن سر وجوده واسباب ومبررات هذا الوجود ومصيره ونهايته وعن مستقبله وظروف عيشة في البيئة الطبيعية وتعايشه معها وعما يتجاوز الحياة الدنيا . وخلال القرون تجسد هذا التفاعل والتساؤل ففي ما ابدعه وخلفه الانسان من تحف لغوية وأدبية وعلمية وفنية وقطع اثرية ثمينه غالية في جميع قارات كوكبنا الارض دون استثناء, وجاءت اعمال التصوير والنحت والرسم والوسائل البصرية والسمعية والاقنعة والموسيقى والخط, فضلا عن الكتابات الادبية والفنية مصورة لرؤية الانسان لنفسه ولرؤية الانسان للبيئتين الاجتماعية والطبيعية اللتين حوله. رؤية الانسان هذه لهاتين البيئتين ولتفاعله معهما هي قوام القيم الثقافية والروحية والمادية لشعب ما التي تخلق وتتشكل وتتغير نتيجة التفاعل بين رؤى الانسان وبيئته الاجتماعية والطبيعية. وعلى هذا النحو نشأت لكل شعب ثقافته التي تتضمن رؤاه وتحمل قيمه التي يتمسك بها وتحدد معالم هويته. ان الاعمال الفنية والمخطوطات والمحفوظات العلمية والآثار الادبية وسائر التحف والكنوز والشواهد الثقافية والحضارية تحمل في طياتها القيم الثقافية التي يعتز بها كل شعب ويعلق عليها اهمية قصوى والتي تخص في المقام الاول مبدعيها وصانعيها وشعوبها. وبالتالي فان للشعب الذي ينتمي اليه صانعو ومنتجو هذه الممتلكات الثقافية الحق الاكيد الثابت فيها. ولدى شعوب كثيرة وعي بأهمية هذه الممتلكات الثقافية في تحديده هوية الشعوب فعلى سبيل المثال في مؤتمر قمة رؤساء دول او حكومات منظمة الوحدة الافريقية الذي عقد في جزيرة موريشيوس في سنة 1976 اعادت الدول الافريقية التأكيد على اهمية الاسهام الثقافي في تحديد معالم وهويات المجتمعات. لقد تعرضت بلدان العالم الثالث. بما فيها بلدان الحضارات القديمة العريقة مثل وادي النيل وبلاد الشام ووادي الرافدين للاستيلاء غير الشرعي على ممتلكاتها الثقافية ولنقل وتهريب هذه الممتلكات وهذه المشكلة من اسوأ المشاكل التي تعرضت هذه البلدان لها وترجع هذه المشكلة الى اسباب منها حدوث الغزوات والحروب والسيطرة الاجنبية. هذه العوامل ادت ولاتزال تؤدي الى فقدان او تدمير اعداد كبيرة من الممتلكات الثقافية في مختلف ارجاء العالم. ويقتضي الحق والعدالة إعادة هذه الممتلكات او ردها الى بلدانها الاصلية التي اخرجت تلك الممتلكات منها والمطالبة باعاداتها او ردها الى بلدانها الاصلية لاشك في شرعيتها ولان هذه الممتلكات تعبير عن شخصية الشعوب التي انتجتها كما اسلفنا فان هذه الاعادة او الرد من القضايا البالغة الاهمية. وقضية إعادة او رد الممتلكات الثقافية الى بلدانها تتعلق بالتاريخ القومي للشعوب لان هذه الممتلكات نشأت عبر المراحل التاريخية المختلفة التي مرت الشعوب بها. وهذه الممتلكات تجسيد وانعكاس لعملية تطوير الشخصية القومية وبنائها, وقضية اعادة أو رد الممتلكات تتعلق بالمستقبل لان هذه الممتلكات التي يراد ردها او اعادتها الى بلدانها الاصلية هي الملهمة للشعب في افكاره ومواقفه وسلوكه وابداعه في الوقت الحاضر والمستقبل. ومن شأن هذه الاعادة للممتلكات الثقافية ان تشكل جزءا من التحرر الثقافي والتاريخي للبلدان التي تم الاستيلاء على ممتلكاتها وان تعتبر اجراء انسانيا وواجبا اخلاقيا يتعين على الاوساط والدول التي استولت على تلك الممتلكات ان تؤديه. وبالنظر الى ان عهد السيطرة الاستعمارية التي عانى منها العديد من البلدان ذات الحضارات العريقة كان عاملا هاما في الاستيلاء غير المشروع بمختلف اشكاله على الممتلكات الثقافية فان استعادة تلك الممتلكات تشكل جزءا ضروريا من استكمال عملية تصفية الاستعمار وازالة اثاره, وذلك بحد ذاته من شأنه ان يشكل خطوة حضارية ذات مغزى انساني عظيم. ومما ادى الى تفاقم مشكلة الاستيلاء على هذه الممتلكات ونقلها اقبال المتاحف والمؤسسات العلمية والفنية والادبية والهواة في مختلف المناطق, وعلى وجه الخصوص البلدان الغربية, على شراء هذه الممتلكات, الامر الذي أدى الى نشوء جماعات من الوسطاء وتجار الاثار والمنقبين السريين, وتكوين جماعات ووكالات تتقصى الاخبار بشأن الممتلكات الثقافية سواء المكتشف منها او الكائن تحت سطح الارض. ان الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات الثقافية يجب ان يتوقف, ومن الضروري اتخاذ التدابير اللازمة لايقاف هذا الاستيلاء على هذه الممتلكات ونقلها والاتجار غير المشروع بها. لقد تزايد الاهتمام العالمي بموضوع الاستيلاء على الممتلكات الثقافية وبضرورة الكف عن هذا الاستيلاء, ومما يدل على تزايد ذلك الاهتمام ان اقر المؤتمر العام لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو في دورته التاسعة في ديسمبر 1956 بنيودلهي توصيات عامة بشأن المبادئ الدولية التي ينبغي تطبيقها في مجال الحفائر الاثرية, ويهدف معظمها الى تنظيم تلك الحفائر ووقف عمليات التنقيب غير المشروعة, كما وافق المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثالثة عشرة المعقودة في نوفمبر 1964 في باريس على توصيات بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر تصدير الممتلكات الثقافية واستيرادها ونقلها بطرق غير مشروعة. وقد خلصت اليونسكو والجمعية العامة للامم المتحدة الى استنتاجات مفادها ان من المشروع المطالبة باعادة او رد الممتلكات الثقافية, وتعنى اللجنة الحكومية الدولية التابعة لليونسكو بالعمل من اجل اعادة هذه الممتلكات الى بلدانها الاصلية او ردها في حالة امتلاكها بصورة غير مشروعة, وقد قامت تلك اللجنة بجهود محمودة في هذا المجال ويبين التقرير الامين العام للامم المتحدة الوارد في الوثيقة أ/46/497 الانشطة التي قامت اليونسكو وهيئاتها بها لاعادة او رد هذه الممتلكات الى بلدانها الاصلية. وفي السنوات القليلة الماضية اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة قرارات أكدت فيها على ان رد الاعمال الفنية والاثار والتحف والمحفوظات والمخطوطات والوثائق وسائر الكنوز الثقافية الى بلدانها الاصلية من شأنه ان يسهم في تعزيز التعاون الدولي وفي الحفاظ على القيم الثقافية العالمية وفي زيادة تطويرها. ودعت الجمعية العامة الدول الاعضاء في الامم المتحدة الى مواصلة القيام بالتعاون مع اليونسكو بعمليات جرد منتظمة للممتلكات الثقافية الموجودة في الخارج, وناشدت الدول الاعضاء التعاون الوثيق مع اللجنة الحكومية الدولية للعمل من اجل اعادة الممتلكات الثقافية الى بلدانها الأصلية او ردها في حالة امتلاكها بصورة غير مشروعة. وأسفرت الجهود التي بذلتها تلك اللجنة والجمعية العامة والتي رمت الى اعادة تلك الممتلكات عن بعض النتائج الايجابية الملموسة التي تمثلت بالرد الفعلي لبعض هذه الممتلكات الى بلدانها الاصلية. لقد جرت مفاوضات بين تركيا والمانيا على اعادة تمثال سفينكس الى تركيا. وبعثت السلطات الفلبينية برسالة الى امانة اللجنة الحكومية الدولية تبلغها فيها بوجود 300 تحفة أثرية وطنية كانت صدرت على نحو غير مشروع الى المانيا, وكانت تعرض في متحف واقع في مدينة كولونيا. وقدمت السلطات المصرية طلبا الى أمانة اللجنة لاعادة او رد ثلاث مخطوطات قيمة جدا كانت قد سرقت من القاهرة, وفي احتفال اقيم في كانبيرا في سنة 1989 اعادت صالة عرض الفنون الوطنية الاسترالية الى بيرو جدار مقبرة عمره 2000 عام, واعيد الى نيجيريا رأس انسان برونزي يعود الى القرن الخامس عشر كان قد سرق من متحف لاجوس في ذلك البلد. وأصدرت المحكمة الاتحادية في مدينة انديانابولس في الولايات المتحدة الامريكية حكما في 3 اغسطس 1989 لصالح جمهورية قبرص والكنيسة الارثوذكسية اليونانية في قبرص اللتين كانتا قد طالبتا باعادة فسيفسائيات كاناكاريا المشهورة التي كانت قد سرقت من موقعها الاصلي في الجزيرة ونقلت الى الولايات المتحدة. ومن الجلي ان التعاون الدولي والتعاون الثنائي ضروريان لتحقيق النجاح في الجهود الرامية الى ايقاف الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية والى ايقاف الاستيلاء عليها وحماية التراث الشعبي والتركة الثقافية لكل الشعوب, ومما لا شك فيه ان الانضمام الى اتفاقية عام 1970 المعنية بوسائل تحريم ومنع استيراد الممتلكات الثقافية وتصديرها ونقل ملكيتها بالطرق غير المشروعة وابرام اتفاقات ثنائية وسن تشريعات وطنية من شأنها ان تكون اجراءات تشكل الاطار القانوني الضروري في هذا الصدد.

تعليقات

تعليقات