البحث عن دور اقتصادي ما لاسواق المال الخليجية: بقلم - حسن العالي

شهدت ندوة الاستثمار في اسواق المال الخليجية التي عقدت في البحرين قبل ايام مناقشات جادة ركزت على الصعوبات والمعوقات المتعددة الاشكال والجذور التي تواجهها هذه الاسواق في الوقت الحاضر, والتي وجدنا من المفيد ان نكرر محاولة التأكيد عليها وابرازها . اننا نستذكر في البدء هنا ان البنك الدولي قام وقبل عدة اعوام باجراء مسح شامل ومعمق للبيئة المالية العالمية, وقام الباحثون فيه بتناول الكثير بالتفصيل من تجارب الاصلاح المالي في الدول النامية حيث تركز البحث على اجراءات التحرير المالي وخاصة اسعار الفائدة والصرف والتجارة وذلك بهدف خلق مناخ اقتصادي كفء يمهد الطريق لقيام رؤوس الاموال المحلية بلعب دور اكبر في التنمية الاقتصادية, ان الملاحظة الهامة التي برزت من خلال هذا المسح هو تعاظم حاجة الدول النامية للاعتماد على مواردها الذاتية في دفع عجلة التنمية, وبالنسبة لكثير من البلدان النامية فان هذه الحاجة فرضها تراجع تدفق الاستثمارات الاجنبية مع تقلبها الواضح كما حدث في المكسيك حيث تبخرت خلال ايام قلائل مليارات من الاستثمارات الاجنبية التي يفترض انها كانت موظفة محليا, كذلك ازدياد صعوبة الاقتراض من البنوك الدولية وتراجع معدلات المعونات الدولية, اما بالنسبة للدول العربية النفطية فان تلك الحاجة فرضها ولايزال التراجع المستمر في العوائد النفطية في الوقت الذي بلغت فيه هذه البلدان مرحلة متقدمة في تشييد البنى التحتية المتطورة والخدمات الاجتماعية الحديثة للمواطنين, كما بلغت جهود التنويع الاقتصادي منتصف الطريق تقريبا, وبالتالي فان اي تراجع عن هذه الانجازات سوف ينطوي على اثار اقتصادية واجتماعية سيئة للغاية, ولا بديل من ثم سوى زيادة الاعتماد على الموارد الذاتية في مواصلة الطريق نحو النهاية, وبالنسبة للبلدان العربية النفطية, وخاصة الخليجية, فان القطاع الخاص يملك موارد مالية كبيرة من شأن توظيف اجزاء مهمة منها في الاستثمارات الوطنية ان يضمن لها وبصورة مستقرة ان تواصل الطريق المرسوم. وفي هذا الاطار الكلي للتوجهات الاقتصادية يبرز الدور الذي يمكن ان تلعبه اسواق رأس المال, فهذه الاسواق توفر للاستثمارات المتداولة فيها خاصية السيولة والتوزيع الواسع للمخاطرة والتعرف اليومي والمنتظم على العوائد المتحققة, وهذه الخصائص الثلاث مجتمعة تمثل اهم حافز يتطلع رأس المال الخاص لتوفره لكي يقوم بالاستثمار. ان دول المجلس بدأت ومنذ العقد الماضي بايلاء اهتماما متزايدا بانشاء وتطوير اسواق الاوراق المالية فيها نتيجة لقناعاتها بالدور المهم الذي يمكن لهذه الاسواق ان تلعبه في مسيرة التنمية من خلال تعبئة المدخرات المحلية وتوجيهها نحو الاستخدامات الاكثر كفاءة وتوفير التمويل طويل الاجل للمشروعات الاقتصادية, وفي هذا الاطار, انشأت اربع دول هي الكويت والبحرين وعمان وقطر اسواقا منظمة للاوراق المالية, واستخدمت السعودية نظاما الكترونيا متطورا لتداول الاسهم بواسطة المصارف تديره مؤسسة النقد العربي السعودي. وتسعى الامارات لانشاء سوق منظمة للاوراق المالية حيث يتم التعامل بالاسهم حاليا عبر اسواق غير رسمية. وفي السنوات الاخيرة, شهدت الاسواق المالية المنظمة في دول المجلس تطورات ملحوظة من حيث رسملتها السوقية والاطر المؤسسية والتنظيمية التي تحكمها, ففيما يتعلق برسملة هذه الاسواق, فقد بلغت في نهاية عام 1997م حوالي 70 مليار دولار اي بزيادة نسبتها 8% عن العام السابق. ونظرا لتشابه الاوضاع الاقتصادية والمالية بين دول المجلس ووجود اتفاقية اقتصادية موحدة بينها تهدف ــ ضمن اشياء اخرى ــ الى انشاء سوق مالية موحدة, فقد قامت معظمها باتخاذ اجراءات تنفيذية لتحقيق نوع من الترابط بين اسواقها المالية. وفي هذا المجال باشرت سوق البحرين وسوق مسقط للاوراق المالية الاجراءات التنفيذية لاتفاقية تبادل تسجيل اسم الشركات المدرجة في كل من السوقين تلاها حديثا ربط بورصتي البحرين والكويت, واعلنت البحرين خطة لتحويل سوق الاوراق المالية الى بورصة دولية, واتخذت السوق الكويتية قرارا سمحت فيه لمواطني دول المجلس بتملك وتداول اسهم الشركات المساهمة الكويتية بشرط الا تتجاوز نسبة تملكهم 50% من اجمالي الاسهم, ويسمح للاجانب في سلطنة عمان تملك ما لايزيد على 49% من اسهم الشركات. الا ان اسواق المال الخليجية تواجه حاليا العديد من الصعوبات تتمثل في ضآلة عدد الشركات المساهمة ومحدودية الاوراق المالية المعروضة القابلة للتداول والتي تقتصر في الغالب على الاسهم فقط. كما تركز تداول الاوراق المالية في ايدي عدد محدود من المستثمرين مما يعرض التداول الى ممارسات وتلقبات غير موضوعية. كما تفتقر هذه الاسواق الى وجود مؤسسات متخصصة تدعم وتعزز من دورها الاقتصادي كالوسطاء الماليين وشركات وبنوك الاستثمار التي تقوم باعداد الدراسات المالية اللازمة وتقديم الخدمات الاستشارية للمتعاملين في الاسواق المالية, اضافة الى ذلك هناك نقص حاد في التشريعات والقوانين التي تحمي المستثمرين والمتعاملين في الاسواق المالية وبما يؤكد الثقة بها ويقلل من مخاطر الاستثمار فيها. كما توجد ايضا حاجة ماسة لانشاء هيئات مستقلة برأسمال مشترك ــ عام وخاص ــ تكون لديها الصلاحيات في الاشراف على الاسواق المالية واوراقها بما يحقق التوازن في العرض والطلب لمقاومة التحركات الشاذة للاسعار وهو ما يطلق عليه اصطلاحا بصانعي السوق. ان تجاوز هذه الصعوبات والعقبات يستدعى ضرورة تحسين شروط تشغيل اسواق المال من حيث انظمة المتاجرة والمعلومات المتوفرة للمتعاملين والرقابة على التحركات السعرية والتداول الداخلي وسرعة تخليص التعاملات وقواعد الافصاح المالي وقوانين حماية المستثمرين فيها. اما على مستوى الاقتصاد الكلي فان المطلوب اعادة النظر في مفهوم ودور اسواق رأس المال بحيث يتم ربطها باهداف اكثر عملية ووضوحا وقابلة للتنفيذ بعيدا عن الشعارات المجردة. ان الحديث العام والمجرد عن دور هذه الاسواق في حشد المدخرات وفي تحويل هذه المدخرات الى استثمارات منتجة, وكذلك دورها في تنفيذ برامج التخصيص وفي تسهيل عمليات الرقابة المالية والنقدية, وفي خلق بيئة اكثر عدالة لتوزيع الثروة وغيرها من الاهداف العامة, نقول ان هذا الحديث ظل وللاسف مجرد حديث دون ان يجد طريقه للتنفيذ بصورة عملية, لذلك فانه من الضروري ان يتم النظر بصورة عميقة في كل من هذه الاهداف وايجاد آلية عملية لربطها وبصورة ما بالنشاط الذي تؤديه اسواق المال, وبالتالي خلق تفاعل ايجابي بين الاثنين, ولعل التجارب الاسيوية الناجحة في تنمية دور اسواقها المالية ــ على الرغم من انهياراتها الاخيرة ــ قد اعتمدت بصورة رئيسية على ربط هذا الدور بشكل عملي باحتياجاتها التنموية في كل مرحلة من المراحل. فعلى سبيل المثال, وفي الوقت الذي يجري فيه الحديث في بعض البلدان الخليجية عن فتح اسواقها المالية عالميا لترجمة المكانة المالية العالمية لهذه الاسواق, فان فتح الاسواق الاسيوية عالميا قد ارتبط بخطوات اكبر لجذب الاستثمارات الاجنبية مع وجود الحوافز لتوجيهها نحو مشروعات معينة. ان اسواق المال باتت تمثل آلية تنموية حقيقية, وان امكانية تشغيلها, وتحريك عجلتها الانتاجية يتوقف على مقدرة المسؤولين عن شؤون التنمية في البلدان العربية في تعلم مهارة التشغيل وضبط ايقاع الحركة والتوجه لهذه الاسواق نحو خدمة احتياجاتها التنموية التي يفترض ان تكون مرسومة بصورة واضحة ومحددة. ان احدى الوسائل الملائمة لتفعيل الدور الاقتصادي والتنموي لاسواق المال هي من خلال تشكيل هيئات اسواق المال لتقوم بدورها الرقابي على نشاط البورصات في بلدانها, وكذلك لتشجيع نشاط الاسواق الاولية التي يتم من خلالها تأسيس الشركات الجديدة, بالاضافة الى دورها في ربط وتنسيق نشاط هذه البورصات بتوجهات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدانها حيث ان غياب هذه الهيئات يمثل قصورا هيكليا في قطاع السوق المالي العربي مما شجع في السابق على ظهور عدد من الازمات في بعض هذه الاسواق.

تعليقات

تعليقات