الصداقة المستحيلة !! بقلم - جلال عارف

ولا شعرة واحدة في شعر مصر يمكن ان تهتز بسبب هذه الحملة الامريكية الوقحة التي تستهدف أمن مصر واستقرارها ووحدة شعبها . ولكن الذي سيهتز حقا هو هذه الأكذوبة التي يتم ترويجها بدأب وعناية, ومنذ ربع قرن على الأقل, عن (صديق) أمريكي يملك 99% من أوراق اللعبة وسيستخدم هذه الأوراق لصالحنا وعلشان خاطر عيوننا!!. لن تهتز شعرة في رأس مصر بسبب حملة الافتراءات الامريكية حول اضطهاد الاقباط في مصر. فالقصة ليست جديدة, وهم يستخدمونها على الدوام كلما ارادوا الضغط على مصر, وحتى صديقهم السادات أخرجوا له المظاهرات من عملائهم بين أقباط المهجر لكي تستقبله عند زيارته لأمريكا, لأنهم كانوا يريدون منه المزيد من التنازلات حيناً, او لأنهم أدركوا انه اربح ورقة محروقة حينا آخر!. اضطهاد الاقليات قضية يمكن ان تزعج دولة تمارسها بالفعل مثل تركيا أما في مصر فالقضية خاسرة فلا الأقباط أقلية, ولا الاضطهاد موجود الا في عقول المرضى والمهاويس.. وأعضاء الكونجرس الامريكي. مصر هذ دولة النسيج الواحد ليس فيها أغلبية وأقلية الا من باب الفكاهة التي يمارسها الحزب الوطني أحيانا حين يزعم أنه حزب الأغلبية العظمى الذي يملك ــ مثل أمريكا ــ 99% من كل شيء. ابتداء من اصوات الناخين ــ الاحياء والأموات ــ الى كراسي البرلمان الى التوكيلات والذي منه! ونحن نرجو ألا يصدق الكونجرس الامريكي هذه الادعاءات فيصدر تشريعاً بمعاقبة مصر لأنها تضطهد حزب الحاج الصباحي او حزب الحاج عبدالعال ! مع ان القضية تختلف عن ذلك جملة وتفصيلاً.. فلا الحزب الوطني يملك شيئاً من أصوات الناخبين, ولا أحزاب الصباحي وعبدالعال أحزاباً, ولا أمريكا هي الحريصة على إقامة حياة ديمقراطية في مصر, وانما المصريون وحدهم هم الذين سيفرضونها, ومن خلال نضال شرعي تخوضه القوى السياسية الحقيقية في المجتمع. واضطهاد الأغلبية المسلمة للأقلية القبطية أكذوبة لا يصدقها الا الذين اطلقوها. ان رصاصات الارهاب في مصر لا تفرق بين مسلم ومسيحي, وضحايا الارهاب من المسلمين أضعاف ضحاياه من الاقباط, والنضال ضد مسؤولية وطنية يتحملها الوطن كله بشجاعة .. اليمين واليسار, والمسلمون والأقباط, والأغنياء والفقراء.. وكلهم أصبحوا يدركون الآن أكثر من أي وقت مضى.. أن الارهاب صناعة أمريكية.. وأن الذين دربوا في افغانستان, هم الذين مولوا في مصر, واطلقوا كلاب الارهاب المسعورة في الجزائر, وما زالوا يعملون بكل حرية.. والمخابرات الامريكية التي تتباهى بأنها تعرف دبة النملة ولون فانلة صدام حسين.. لا تريد ان تكشف شيئاً عن هذه التنظيمات التي صنعتها, بل تستمر في الاتصالات السرية ثم العلنية معهم, لك تعطيهم (الشرعية الامريكية) التي هي فوق كل قانون, ودون أي حساب!. مصر دولة الشعب الواحد لا يزعجها حديث تعرف انه غير حقيقي عن اضطهاد الأقباط في مصر, ولا يهز شعرة في رأسها.. ولكنه يهز تلك الأكذوبة عن الصداقة الأمريكية. فأي صداقة تلك التي تعمل بدأب على هز الاستقرار في الوطن, وتسم القوانين لتتدخل في شؤونا الداخلية؟ وأي صداقة تلك التي تهدد بوقاحة ــ ومع كل خلاف في الرأي ــ انها ستخفض المعونة او تلغيها وهي تدرك تماماً انها هي ــ وليست مصر التي استفادت من المعونة, وأنها هي التي ستخسر عند إلغائها! فالمعونة جاءت لتمرير كامب ديفيد ولهدف استراتيجي امريكي هو ابعاد مصر عن اشقائها العرب, وثلثا المعونة يلهفها الخبراء الامريكيون والدراسات الامريكية, ونتيجة المعونة هي فتح الاسواق المصرية على مصراعيها أمام المنتجات الامريكية بينما تقوم القيامة في وجه (دستة) جوارب زيادة عن الحصة التي تقررها أمريكا ــ بمزاجها ولمصلحة اسرائيل ــ على الصادرات المصرية. ثم.. اين الصداقة الامريكية, وكلينتون يتحرك على المكشوف في القارة الافريقية لاستكمال المخططات الامريكية ــ وفي مقدمتها اعادة ترتيب الاوضاع في القرن الافريقي وتحقيق السيطرة على منابع النيل ــ واثارة المشاكل لمصر والسودان والاعداد لاعلان حرب المياه عليهما من دول تحتمي بأمريكا وتقيم مشروعاتها المائية بتمويل أمريكي وتخطيط اسرائيلي؟ وأين الصداقة الامريكية وأحدث ما في ترسانة الأسلحة الامريكية ينهال على اسرائيل العدو المباشر والأبدي للأمة العربية, وبرنامج التسلح النووي الاسرائيلي يسير في طريقه بالدعم والحماية الأمريكية, وواشنطن تثير الزوابع حول صفقة صواريخ لسوريا او مناورة عسكرية لمصر؟! أين هذه الصداقة الامريكية المزعومة.. سؤال نوجهه للذين ملأوا الدنيا ــ طوال ربع قرن ــ حديثا عنها وافتتاناً بمحاسنها التي نعيشها جميعاً.. من صناعة الوكلاء والسماسرة الذين يعيثون في اقتصادنا فساداً الى ضرب الصناعة الوطنية, الى محاولة السيطرةعلى مقدراتنا الاقتصادية والسياسية, الى رعاية قوى الارهاب, الى مساندة اسرائيل لتسيطر وتهيمن. أما نحن فقد كنا نرى من البداية ان الصداقة المزعومة هي الصداقة المستحيلة, وأن ما بيننا وبين أمريكا ليس خلافا شخصياً بين عبدالناصر وبينها, ولكنه صراع مصالح متضاربة, وحرب على مصير المنطقة. وان الخريطة الامريكية لهذه المنطقة الحيوية ــ منذ نصف قرن وحتى اليوم وغدا ــ ليس فيها مكان لمصر القوية المستقرة. ومن هنا فالصدام حتمي كلما ارادت مصر ان تحقق التنمية الحقيقية, وكلما ارادت ان تبني قوتها العسكرية والسياسية, وكلما قامت بدورها القومي على الساحة العربية. هكذا كان الأمر منذ نصف قرن ولا يزال. تصادمت ثورة يوليو مع امريكا عندما ارادت مصر ان تبني جيشاً حديثا, بينما كانت الرؤية الامريكية ان تكتفي مصر بقوات لحفظ الأمن الداخلي ومقاومة المظاهرات وضرب الارهاب الذي ستزرعه أمريكا بعد حين! وتصادمت ثورة يوليو مع امريكا عندما بدأت معركة التصنيع والتنمية, وظهرت النوايا الامريكية بالتآمر حتى لا تبني مصر السد العالي. وتصادمت مصر حين اعلنت الحرب على الاستعمار ورفضت الاحلاف المشبوهة وقادت حركة التحرير العربية. والمعركة مستمرة لأن أمريكا لم تتخل يوما عن أهدافها الاستراتيجية في إبقاء مصر ضعيفة محاصرة ولأن مصر لا تملك الا ان تقاوم هذه الأهداف مهما كان الثمن. من أجل ذلك لا ننزعج من نباح كلاب الكونجرس, ولا من تهديدات الادارة الامريكية, ولا من أحاديث قطع المعونة, ولا من التحركات المشبوهة لدعم الإرهاب او محاصرة مصر افريقيا وعربياً. لا ننزعج, لأنها على الاقل تنبهنا الى المخاطر والتحديات التي تواجهنا, وتفتح عيون الجميع الى الحقائق التي حاولت حملات تزييف الوعي ان تطمسها, وتواجه الغافلين بحقيقة (الصديق) الامريكي وحقيقة (الصداقة) الامريكية. لا ننزعج, ولكننا ندرك ان مواجهة المؤامرة تستدعي اعادة النظر في الكثير من السياسات, والاعتراف بشجاعة بحجم المشاكل التي نواجهها, والايمان بقدرتنا على حلها, والتأكيد على ضرورة ان يشارك الجميع في حماية الوطن مما يدبر له و.. اسلمي يا مصر.

تعليقات

تعليقات