ابجديات: بقلم -عائشة إبراهيم سلطان

عندما سئل ياسر عرفات عن سبب قبوله توقيع اتفاقيات السلام مع اسرائيل وهو الذي كان يرفضها بشدة, وهو الذي اتهم السادات بخيانة القضية وبيع الامة عند توقيعه كامب ديفيد اجاب: ان المثل يقول: اذا لم تستطع ان تحاربهم فانضم اليهم . السادات صرح ذات يوم غابر من ايام الهوان العربي, ان 99% من اوراق الحل والعقد للقضية العربية في يد امريكا, وجاء السيد عرفات فأكمل المائة, واتعجب من الذين يصرون على دور عربي, ومبادرة عربية, وخيارات عربية, فهؤلاء يبدو انهم لا يتابعون تصريحات زعمائهم, أو ان زعماءهم الاشاوس يطلقون تصريحاتهم في جزر مهجورة. ويبدو ان اغلب الزعماء قرأوا (أمر) ميكافيللي جيدا, وحفظوه عن ظهر قلب, في حين ان الشعوب مصرة على ان الثقافة الوحيدة هي مونتسكيو وفولتير وروسو, ولذا فهناك قطيعة ثقافية بين الانظمة وشعوبها, ما يجعل اغلب السياسيين في حالة خصام دائمة مع المثقفين. طبعا ليس كل المثقفين, فهناك من هؤلاء من يسميهم د. عبدالله النتيسي, التيار الرديف للسلطة, وهؤلاء هم الذين استطاعوا ان يصلوا إلى صيغة توفيقية أو تصالحية بين قناعاتهم وثقافتهم, وبين توجهات الانظمة, فحصلوا على أشياء كثيرة, مقابل التصفيق لكل خطاب سياسي, وطبعا لا يقتصر الامر على التصفيق بل يتعداه إلى الترويج والتوزيع وكسب الانصار والمؤيدين, وهنا يتحول (المثقف) إلى رجل دعاية لا يقل أهمية عن تلك الممثلة الحسناء التي تروج للصابون أو السيراميك الفاخر. في حديث عاصف بين مجموعة من المثقفين, مختلفي التوجهات, اصر (بعضهم) على ان المثقف انسان في نهاية المطاف, وان عليه التزامات ومطالب بالوفاء بها تجاه نفسه وعائلته, ولذا فهو كالطبيب والمهندس والكوافيرة, لا يفعل اكثر من انه يعيش من المهنة التي يجيدها وهي الثقافة, وكما يخطىء المهندس والمعلم والطبيب والوزير, فالمثقف يخطىء ايضا, فما المشكلة؟ لماذا الاصرار على تحميل المثقف اكثر مما يحتمل, الا ينحرف المعلم حين يحول مهنته المقدسة إلى تجارة دروس خصوصية؟ والطبيب حين يتورط في عمليات مشبوهة؟ والمهندس حين يغش في المواصفات؟ والكوافيرة حين تحول (صالونها) إلى وكر لممارسة الشعوذة والسحر؟ لماذا يتقبل المجتمع هذه الممارسات ويتناولها باعتبارها اخطاء بشرية, وحين يخطىء المثقف أو ينحرف, يتحدثون عن اخطائه وكأنها جرائم عظمى أو خطايا؟ ربما لان المثقف يرسم هوية المجتمع, ويحفظ هذه الهوية, وربما لانه تصدى لمهمة التنوير والتغيير, ولأنه نبض المجتمع وروحه وسلاحه, ومركز الحس فيه, المثقف هو حلمنا الشامخ دوما, وهو صاحب القنديل في اول الركب, فماذا تفعل المسيرة اذا سقط صاحب القنديل؟

تعليقات

تعليقات