قراءة شاذة لمحنة كوسوفو: بقلم- د. حنيف القاسمي

في سياق اراحة الذات من الالتفات إلى مأساة المسلمين الالبان في كوسوفو جاءت دعوة احد الكتاب (المحترمين) في احدى مقالاته إلى عدم الاهتمام بتلك القضية, بعد اعتبارها شأنا غير عربي, مبررات الكاتب (المحترم)في دعوته الغريبة تلك, تتلخص في ان ما يحدث في البلقان, وما يتعرض له مسلمو كوسوفو أمر طبيعي, ويحدث في اطار العنف الذي قد يوجد في اي وطن, ويقول كذلك ان ظاهرة العنف التي تجتاح بعض مناطق العالم فيها دليل على ان الاوروبيين قد تفوقوا على غيرهم في اللجوء إلى العنف كوسيلة لتصفية الحسابات والنزاعات حول المصالح, أو بسبب اختلاف العرق والدين, ومن ثم شهدت الساحة الاوروبية عبر تاريخها الطويل صراعات دموية رهيبة. واستدل الكاتب (المحترم) على ذلك بأن: تاريخ العالم الحديث, الذي هو تاريخ اوروبا الحديث, شاهد على اكبر عمليتي ابادة, لم يحدث مثلهما من جانب شعوب اخرى غير اوروبية, احداهما وقعت حين اباد المستوطنون الاوروبيون اهالي الامريكتين, والثانية لن ينساها احد اذ يقوم اليهود بتقديم الدليل بعد الدليل ويوما بعد يوم على ان الاوروبيين قتلوا منهم ستة ملايين. في سياق محاولة الكاتب العربي اثبات (عالمية) ظاهرة العنف, ليستدل بذلك على ان ما يحدث في البلقان شأن اوروبي داخلي, ولا علاقة له بمسألة الانتماء العقدي, وقع في خطيئة اخرى عندما اثبت مزاعم اليهود بشأن التهويل من الحملة النازية التي استهدفتهم في ثلاثينات هذا القرن واربعيناته, وليس من شك في ان محاولة اثبات تلك المزاعم تعد اكبر خدمة مجانية تقدم لليهود الذين ما برحوا يستدرون عطف الرأي العام العالمي, ويستنزفون موارد خزائن الدول التي يقال انها قد تورطت في حملات الابادة التي استهدفتهم. وهي ادعاءات اثبتت الادلة ــ من خلال كتابات بعض الغربيين المنصفين ــ ان هناك مبالغة وتهويلا بشأن حجم ضحايا النازية من اليهود, ولعل قضية المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي من اقرب الامثلة التي حاولت نفي تلك المزاعم, حيث دفع ثمن تفنيد تهويل اليهود ومبالغاتهم تجاه النازية على النحو الذي شهدناه في الآونة الاخيرة. المحظور الاخر الذي وقع فيه صاحبنا انه فهم من ان الحديث عن محنة كوسوفو فيه انشغالا عن القضايا العربية, فقال في خاتمة مقاله: نصيحتي إلى كل العرب, ان ابتعدوا عن احداث البلقان ولا تدعوا الاوروبيين يستدرجوكم إلى ميادين صراعاتهم. ما يتبادر إلى الذهن ــ في ضوء تلك المقولة ــ ان عدم الاهتمام بقضايا مثل قضية كوسوفو او البوسنة أو كشمير, سوف يتيح المجال بشكل لا ريب فيه لانهاء مشاكل العرب وحسم قضاياهم. ولعل تفسير الكاتب (المحترم) يجنح إلى نظرية المؤامرة, وان الآخرين لا شغل لهم سوى افتعال الازمات وحبك المؤامرات, ويتم ذلك ــ بطبيعة الحال ــ لتخليص الذات من المسؤوليات وتبعات الافراط فيها, وفي شأن كوسوفو فان نظرية المؤامرة عند القائلين بها, تتمثل في ان اختلاق تلك الازمة هي بهدف صرف الانظار عما يجري في الساحة العربية, وما تمارسه اسرائيل في ارض الواقع, وهذا الامر ــ وان كان صحيحا تماما ــ فان الشواهد تقصر من اثبات ان الحوادث في اماكن اخرى انما تفتعل لتمرير ممارسات الصهيونية وانتهاكاتها للوجود العربي الاسلامي, وهي الممارسات التي لا تتوقف على وجود ازمة هنا أو كارثة هناك, وانما هي تسير وفق خطط استدعتها مصالح برامج اولئك القوم. واذا كانت دعوة الكاتب تتلخص في الامتناع عن (الاستدراج) إلى الاهتمام بشأن كوسوفو, فانه بذلك يريدنا ان نشترك مع الصامتين على ما يجري في تلك الارض, ولست اخفي انني عندما فرغت من قراءة ذلك المقال ذي الموقف الشاذ, استدعت الذاكرة موقفا سلبيا آخر لحالة مشابهة كان اصحابه الاوروبيون, وذلك عندما كانت المذابح تستهدف مسلمي البوسنة قبل عدة سنوات. حيث صاحب ذلك صمت متعمد يكتنفه تقرير بما يمارسه الصرب بحق البوسنيين, وقد تجلى خزي ذلك الموقف في شتاء عام 1993 (نوفمبر وديسمبر) في وقت كان فيه الاف الناس يتجمدون من البرد ويعانون من شدة الجوع, وفي ذلك الوقت, كتب الاستاذ فهمي هويدي عن الصمت المفاجىء الذي خيم على احداث البوسنة, ونقل عن المعلق الامريكي جيم هوجلاند الذي تحدث عن (الاختفاء الاخير) للبوسنة, الذي تقف منه الاسرة الدولية موقف المتفرج, بل ان كاتبا بريطانيا هو روبرت بلوك كتب حينئذ مقالا بعنوان (ماذا حدث للبوسنة؟. وقد تحدث فيه عن ذلك الاختفاء المفاجىء, وذكر ان الانتقادات التي وجهها وزير الخارجية البريطاني ــ آنذاك ـ دوجلاس هوج لوسائل الاعلام من جراء ما اسماه (بالتغطية المفرطة) لاحداث البوسنة يؤكد وجود جهد مدروس من جانب بعض الزعماء الغربيين للتعتيم على القضية, والتهوين من شأنها, ومن ثم وضعها في المقعد الخلفي, (في الماضي كان يستحيل ان تفتح جهاز التلفزيون دون ان ينهال عليك سيل من اخبار المعاناة في البوسنة, ثم فجأة انقطعت تلك الاخبار, وكأن القضية لم تكن اكثر من كابوس استيقظنا على اثره) . هذا الكلام كان قد نشر قبل نحو خمس سنوات, وهو يحكي وضع البوسنة واهلها في ظل الحصار الصربي لها, والآن, نجد ان المأساة بصدد المعاودة, حيث هوية الضحية واحدة, والقاتل هو نفسه, ويبدو ان كوسوفو التي كانت منذ شهر واحد فقط احد اهم العناوين التي كانت تتصدر وسائل الاعلام قد تراجعت إلى حد يذكرنا ببحر الصمت الذي مرت به البوسنة من قبل, وذلك على الرغم من ان معاناة مسلمي كوسوفو مازالت قائمة ومستمرة, فهل يجوز لنا في هذه الحالة ان نستدعي مقولة التآمر؟ واذا كان ذلك جائزا, فمن هم المتآمرون؟ وهل يكون الداعون ــ بقصد ــ إلى اغراق كوسوفو في بحر ذلك الصمت من اولئك المتآمرين؟

تعليقات

تعليقات