مع الناس: بقلم - عبد الحميد احمد

اذا كان هناك من استطاع ان يوحد الطوائف اللبنانية, فهو الرئيس الحالي الياس الهراوي, الذي جمع هذه الطوائف على موقف واحد موحد هو رفض مشروع الزواج المدني , الذي يصر الرئيس عليه ويرفضه رئيس الحكومة. وكم يتمنى اللبناني ومعه العربي ان تتوحد الطوائف مرة على مواقف كثيرة اخرى, من ابسطها كالموقف من مشروع طريق مثلا او جسر, الى اعمقها واهمها كالموقف من الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب, او من مواقف اخرى وسط حول قوانين واجراءات ادارية واقتصادية وسياحية واجتماعية وغيرها, مثلما وقفت صفا واحدا في رفضها لمشروع الهراوي. طبعا الهراوي الذي توشك فترة رئاسته الثانية على الانتهاء, وهو الذي جاء في اعقاب رئيس لبناني منتخب سرعان ما اغتيل هو رينيه معوض, حكم لبنان ثماني سنوات بعد انجاز اتفاق الطائف, الذي نص فيما نص عليه على تشكيل هيئة وطنية لالغاء الطائفية السياسية, يكاد يكون الرئيس اللبناني الاقرب قولا وعملا الى الغاء هذه الطائفية السياسية, لولا انه على أرض الواقع, ونتيجة لتعقيدات وصعوبات الوضع الاجتماعي اللبناني, لم يتمكن من انجاز هذه المهمة بنجاح. وما دامت الطائفية السياسية لم تلغ بعد عمليا في لبنان, لا في الوظائف ولا في المواقع الادارية او البرلمان او تركيبة الحكومة والسلطات الثلاث, لأن الطريق طويل الى الغائها لا تكفيه ثماني سنوات, خصصت اكثر للتعمير والبناء واعادة ترميم البنية التحتية, فان طرح الرئيس الهراوي لفكرة الزواج المدني يكون استباقا للزمن وحلما بعيد المنال اكثر منه طرحا واقعيا, فهو ليس من الأولويات, مقابل الطائفية السياسية مثلا. غير ان هذا الطرح الذي اجمعت الطوائف على رفضه, ومعهم رئيس الحكومة رفيق الحريري (المفارقة ان الحكومة مجتمعة وافقت بالثلثين عليه) ربما يلقى ما يشبه الاجماع والموافقة, في حال نظمت الدولة استفتاء عليه, من قبل اللبنانيين الذين اكتووا بنار الحرب الاهلية بمختلف طوائفهم, فهو القانون الذي يلغي الطائفية في النفوس والنصوص معا, على حد وصف الهراوي, لولا ان الشعب ليس هو الذي يقرر قوانينه وتشريعاته مثلما انه ليس الذي يختار حكومته, لكي يوافق على قانون الزواج المدني. وعليه فان المؤسسات نفسها تقف حجر عثرة أمام التطور الذي ينشده مثلا الرئيس الهراوي من هذا القانون, وذلك بالانتقال الى المجتمع المدني, وما دامت هذه المؤسسات تقوم على أسس طائفية وترعاها وتعيد انتاجها فان اقرارها لما يناقض شرعيتها غير ممكن, ما يجعل من طرح الرئيس الهراوي لمشروع الزواج المدني في غير محله وفي غير وقته ايضا وخارج سياق الواقع اللبناني, وحلما بعيد المنال في محيطه اكثر منه هدفا سياسيا. مع ذلك هناك من الاطراف اللبنانية من اعتبر الطرح هدفا سياسيا, فوصفه بالقنابل الدخانية التي تعبر عن الاشتباك السياسي مع نهاية كل مرحلة, فيختصر كل حلم مشروع او غير مشروع الى مجرد قنبلة دخانية سرعان ما تنحسر, على نحو المصير الذي سيؤول اليه سريعا مشروع الزواج المدني نفسه, كنص غير مسموح به, فيما هو كمعنى في النص والحياة معمول به, ومع ذلك ينتهي قنبلة من القنابل الدخانية العربية... وما اكثرها.

تعليقات

تعليقات