بريطانيا..مرة اخرى بوجهين : بقلم - د. حسن عبدالعزيز ملحم - البيان

بريطانيا..مرة اخرى بوجهين : بقلم - د. حسن عبدالعزيز ملحم

الجنرال ديجول عندما رخص لبريطانيا اوروبيتها فقد كان على يقين بأنه على حق.. فلندن طالما مهدت للدور الامريكي في القارة القديمة وطالما مثلت دور (الدمية) بالنسبة لواشنطن, تحركها كيف شاءت واين شاءت . ومن يتذكر التاريخ فإن تشرشل هو الذي ألح على المستمرة القديمة من اجل غزو (الوطن الام) وهو الذي اغراها فدخلت الحرب حيث ان بيرل هاربر قد شكت دافعا اضافيا لا سببا مباشرا, ثم ان تشرشل هو الذي مهد للدولة العظمى لدخول العالم اذ تخلت الامبراطورية عن مستعمراتها بكل رحابة صدر.. وهذا ما اطلق عليه فيما بعد (نظرية الحلول) بريطانيا بعد وفاة ديجول استطاعت ان تقنع الاوروبيين بحسن نيتها, وخاصة باريس, ومع ذلك فانها لم تدخل تعديلات جذرية على مواقف تبعيتها لامريكا, ولقد رأينا مثالها الاخير بمناسبة ازمة المفتشين الامميين مع بغداد وتهديد الولايات المتحدة للعراق بتوجيه ضربة عسكرية, الا ان هذا لايمنع من ان توني بلير قد يسره ان يبرهن للاوروبيين بان بلاده جزء من القارة القديمة لا جزء من القارة الجديدة, حيث في هذا السياق فقط.. ربما يحاول روبن كوك ان يستفيد من ستة اشهر مطولة عن رأس الاتحاد الاوروبي ليضع له (صيغة بريطانية) قد تعجب لاول وهلة.. رغم بقائها باهتة مترددة. روبن كوك, وبمناسبة الازمة مع بغداد, جرب ان يتنصل من انبطاحة توني بلير غير المشروطة.. الا انه فشل في مد ابهته (المفاجئة) ببعض الحزم, ولعل هذه الحقيقة هي التي جاءت به الى المنطقة العربية.. بصفته (سفيرا) لاوروبا اكثر مما هو وزير بريطاني. جاك شيراك عندما تعرض للاهانة في اسرائيل ارغى وازبد ولكن سرعان ما انطفأ غضبه, روبن كوك لم يتمكن غضبه من التغلب على برودته الانجليزية.. اذ سرعان ما تراجع امام تهديدات بنيامين نتانياهو خاصة وانه حرمه من دعوة شهية على العشاء. الوزير البريطاني, وممثلا عن الاتحاد الاوروبي, لم يجد حرجا في بادىء الامر من تلبية دعوة السلطة الفلسطينية لزيارة جبل ابو غنيم, الا انه قد نسي على مايبدو بان اسرائيل تعتبر الجبل جزءا من مستوطناتها.. ولهذا فإنه عندما راجع نفسه تذكر بان الزيارة لابد وان تتم برفقة اسرائيلية لا برفقة فلسطينية, وهكذا فإن الشرف في هذه الرفقة قد كان لدافيدبار ايلان مستشار نتانياهو لا لفيصل الحسيني. روبن كوك قد صرح بأن توسيع المستوطنات سيء ومضر بعملية السلام, الا ان الاقوال لاتترجم الى افعال وصحيح انه ادعى بان الاتحاد الاوروبي يقدم مساعدات تبلغ ضعف ما تقدمه الولايات المتحدة الامريكية لابقاء عملية السلام في مسارها الا انه لم يعرف كيف يخلص الثمن, رغم ان كل المؤشرات تدل على ان هذا الثمن يدفعه الفلسطينيون لا الاسرائيليون. نتانياهو قد ابلغ الاتحاد الاوروبي, ورسميا ايضا, بانه لايريده في العملية السلمية على اساس ان امريكا تقوم بدورها (كاملا) واذا ما افترضنا بان نتانياهو قد يبدل في قناعاته بشأن امكانية سماحه للاتحاد الاوروبي بالتدخل الا انه يحرم عليه التدخل في القدس مثلما يحرم عليه التدخل في المستوطنات او جبل ابوغنيم, فالقدس مثل المستوطنات.. كلاهما يعتبر من الارض الاسرائيلية. الوزير البريطاني يؤكد بان حكومته تعمل من اجل ان تفي بالتزاماتها في اتفاقيات السلام, ولا ندري فيما اذا كانت هذه الالتزامات هي من ذات نمط التزامات (وعد بلفور) الا ان روبن كوك يفضل, وفي كل الاحوال, بالعمل من خلال الاتحاد الاوروبي.. ربما لانها الطريقة الاكثر مثالية لعدم اغضاب واشنطن. مالا مجال للشك فيه هو ان اسرائيل تفعل بالعملية السلمية ماتشاء, تدخل فيها من تشاء من الاطراف وترفض فيها من تشاء من الاطراف, واذا ما حاول روبن كوك ان يذهب بعيدا, هذه المرة, فلأن للاتحاد الاوروبي سوابقه في هذا الاطار.. اذ غالبا ماتراجع بناء على رفض او تهديدات اسرائيلية.. او حتى اسرائيلية ــ امريكية, واذا ما اقتصرت حتى الآن على ان تكون اسرائيلية بحتة فسرعان ما ستصبح اسرائيلية امريكية.. حتى وان تمت من وراء الستار. روبن كوك, وليطمئن اسرائيل, أعلن بأن موقفه محايد, وهنا لا تدري اذا ما قصد بذلك بريطانيا أم الاتحاد الاوروبي فان كان قد قصد الاتحاد الاوروبي فان الموقف في الحقيقة لا هو في الحياد ولا هو في غير الحياد لأنه أصلا لا وجود له, وان كان قد قصد بريطانيا فان مثل هذا الحياد لم يكن قائما بالامس لتعتبره قائما اليوم خاصة وان التبعية البريطانية للولايات المتحدة في مجمل سياستها الخارجية يحتم ان يكون للدولتين موقف مشترك, وبما ان امريكا هي سند اسرائيل في الاول وفي الاخر, سواء تعلق الامر بالحرب أم تعلق بالسلم, فان بريطانيا بدورها تشكل جزءا من هذا السند. أوروبا بكل عظمتها لم تخجل من طأطأة رأسها لاسرائيل, واذا ما نحن شككنا بشجاعة أي عضو اخر في الاتحاد غير بريطانيا فان هذه الطأطأة قد تسببت بها بريطانيا, فروبن كوك في النتيجة لا هو بطل فوق العادة ولا هو (اوروبي) أكثر من الاوروبيين انفسهم, اذا ما نحن عدنا الى رفض ديجول ان تكون بريطانيا أوروبية) . شيء واحد قد طمأننا بأن بريطانيا لم تنس دنسها التاريخي, فالوزير البريطاني الذي جاء متطلعا الى دفع عجلة العملية السلمية التي يشد بها نتانياهو قد أكد بأنه لم يأت محملا بروح عدوانية... مضيفا, وبكل ارتياح ايضا: ان بريطانيا صديق قديم للشعب الاسرائيلي, ومع ذلك فان كوك قد اتهم بأنه معاد للسامية, بينما اتهمت اوروبا, وعلى لسان دافيد بار ايلان, بأنها منحازة للفلسطينيين... الامر الذي لا يخولها لعب دور الوسيط! أوروبا اذن متهمة بانحيازها للعرب عكس الولايات المتحدة والولايات المتحدة هي فوق الشبهات, عكس أوروبا... واذا ما طرحت مادلين اولبرايت أي افكار عن العملية السلمية فان روبن كوك لن تكون له مكانة... لا بصفته وزيرا بريطانيا ولا بصفته (سفيرا) أوروبيا, ألم نقل بأن اسرائيل هي التي تقرر؟ بديهي ان البحث عن مكان للعرب في هذا الخضم لا يجدي نفعا فالعرب قد تعودوا الانتظار... واستقبال ما يأتيهم من الغير, اوروبا كان هذا الغير أم امريكا.. ام اسرائيل, كل ما يأتيهم من الغير, على اساس ان ما يأتيهم من انفسهم ليس بذات قيمة.. وقد لا يزن شيئا في أسواق البحث عن الذات... لأنه لم يثبت جدارته بالثقة... ولو أنه كان عكس ذلك لما انحدرت العملية السلمية الى الحضيض! بريطانيا لم تكن ابدا عابرة سبيل في المنطقة... لتصر اسرائيل على ان تجعلها كذلك, بل انها قد سبقت امريكا بعقود طويلة من الزمن في بسط هيمنتها ونفوذها, وان اعتبر روبن كوك عابر سبيل فان اوروبا هي الاخرى لا يمكن ان تجعلها اسرائيل كذلك خاصة وان لها سجلاتها فيها بالامس, اضافة الى ان مصالحها (الأقرب) هي الاجدر بالتوضيح مقارنة مع مصالح الولايات المتحدة.. فالمتوسط أقرب الينا من الاطلسي, واذا ما كانت اسرائيل أقرب لامريكا فنحن ــ العرب ــ اقرب منها الى اوروبا, فمن باب أولى اذن ان نركز بثقتنا على أوروبا, وبدرجة اوسع ايضا من تركيز اسرائيل بثقتها على أمريكا. ان كان هناك من يستحق المحاسبة على اخطائه التاريخية فبريطانيا هي التي تستحق هذه المحاسبة قبل غيرها, واذا ما ادعت التكفير عن النقطة الاشد سوادا في ماضيها الاستعمار... فلابد ان يكون هذا التكفير لحسابنا لا على حسابنا, ومع ذلك فان روبن كوك قد لا يمثل في هذه اللعبة اكثر من حصان خاسر, فرغم انه كان قد أكد امام وزراء الاتحاد الاوروبي على زيارته لجبل غنيم برفقة فلسطينية هاهو يركع امام تهديدات نتانياهو... ليجد العملية السلمية بهزة بركانية اعتى وأشد خاصة وان نتانياهو قد خرج من (المشكلة) اكثر عجرفة وتطرفا. اسرائيل في نهاية المطاف لا تريد تحريك العملية السلمية, وكأن نتانياهو يفضل قضاء فترته الزمنية المتبقية له في رئاسة حكومة اسرائيل... لا في السلم ولا في الحرب حتى وان كانت تحرشات المستوطنين أو قوات الاحتلال تبقى تسجل في خانة التحضير لحرب... وحرب أهلية ضد الفلسطينيين على الاقل ان لم تكن حربا شاملة ضد العرب الذين مازالوا يظهرون شيئا من التمنع حيال الابتزازات الاسرائيلية الامريكية. وهكذا اذن فان بريطانيا, وعن طريق روبن كوك كوزير لها, واوروبا عن طريق روبن كوك دائما كسفير لها... تقودان الى التقهقر مرة اخرى, الامر الذي يبيح لنا (تكذيب) مصداقيتهما السياسية, اذ تبعا للضعف الجلي الواضح في المواقف فان اي مبادرات لهما تكاد تغرق حتى قبل انطلاقاتها, فكيف اذا ما افترضنا بأن احدى هذه المبادرات قد أخذت طريقها الى حيز الواقع...؟! روبن كوك (ينفي) ان يكون قد رضخ للضغوطات الاسرائيلية... فما الذي فعله اذن, هل هي مجرد استغراقات دبلوماسية... هل هي مجرد مناورات يتطلع من خلالها الى (جر) نتانياهو الى (فخ) العملية السلمية التي لا يريد ان يسمع عنها شيئا... الا من امريكي وشرط ان يتحدث بلسان نتانياهو فحسب (لا بلسان) آخر. قبل اسابيع شهدت لندن انعقاد (مؤتمر الذهب) وبمبادرة شخصية من روبن كوك بالذات, حيث ان هذا المؤتمر والمؤتمر الآخر الذي مازال يعد له لينعقد في احدى العواصم الاوروبية... لا يهتمان بالعملية السلمية, لا من قريب ولا من بعيد انما يهتمان بالبحث عن افضل السبل لاستعادة ثروات اليهود الذين لقوا حتفهم في المحرقة النازية. أي ان الوزير البريطاني, سفير أوروبا في العملية السلمية, يخفي وراء ظهره اهتمامات اخرى... هي أجدر بنيل رضا اسرائيل لا العكس... وكأن بريطانيا في هذا السياق تحاول ان تبرهن لنا بأن أساليبها في التعامل لم تتبدل... لم تستطع السنون ان تبدل فيها شيئا! كاتب سوري *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات