اسئلة لا تزال مؤجلة: بقلم - رضي الموسوي

كأن سيل من الاسئلة ينهمر فوق رؤوس ابناء منطقة الخليج عن حال الاقليم ومستقبله. وكأن هذه الاسئلة تعبت من السقوط واثارة علامات الاستفهام, اذ ليس من أجوبة شافية لهذا الغليل الذي يتزايد كلما اقتربت المنطقة من مرجل انعطاف جديد او استحقاق ملزم الدفع مسبقا. وكلما تأجلت الاجوبة زادت ضبابية الموقف وتحول الامر الى حالة من القلق والاعصاب المشدودة ترقبا لقادم بهم عصي على التفسير والترجمة, لدرجة اضحت الاقاليم الحاسدة لثروات المنطقة محسودة في نظر الاقليم الخليجي المتأهب, منذ قرابة عقود ثلاثة, لحالة جديدة من التوتر واسئلة التيه. فما كادت بريطانيا العظمى (آنذاك) تعلن عن نيتها الانسحاب من امارات الخليج, حتى قفزت جيوش الشاه الايراني اواخر الستينات على الجزر الاماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وابوموسى مؤسسة لحالة من الاحتلال العسكري الجديد قبل مغادرة الاستعمار القديم الذي انهكته الشمس التي لا تغيب عن مملكته. وفي مطلع السبعينات انجزت الاستقلالات السياسية وتشكلت الدول الخليجية الحديثة,حيث غادرت الجيوش البريطانية الامارات والبحرين وقطر وعمان, لتبدأ مرحلة جديدة في حياة المجتمع الخليجي, يفترض فهيا الاعتماد على النفس وتأسيس مجتمعات حديثة تحكم نفسها بنفسها. وقتها, لم يكن للنفط بريق يلمع. فالذهب الاسود يقترب سعره من سعر التراب, والثروة لم تهبط بعد, فكان الموقع الجغرافي بديلا ومبررا لان تحط انظار الرأسمالية القوية على القوس المشدود في الخليج, اذ لا ترى الولايات المتحدة, من الحكمة بمكان مغادرة القوة الكولوتيالية الغربية في حين تكاد الجغرافيا تلتصق بالعدو الاشتراكي الذي يمثل الطرف المقابل للحرب الباردة. كانت ايران هي الخط الفاصل, جغرافيا, بين الخليج السابح على 60 بالمئة من الاحتياطي العالمي للنفط, وبين الاتحاد السوفييتي الذي يرى اولويات صراعه مع الامبريالية وحلفائها. والخليج الذي يفصل البر الشرقي عن الغربي, تحول بمياهه الضحلة وجزره المتناثرة ومضيقه الذي تنفذ منه حاملات النفط لتحريك الصناعة الغربية, الى موقع استراتيجي لا يغيب عن الخبراء الاقتصاديين والسياسيين والعسكريين في كلا المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي, وبالطبع لم يغب عن اياديهما العسكرية المتمثلة في حلفي شمال الاطلسي ووارسو. ان تتقدم الثروة على الجغرافيا الاستراتيجية, لم يعد السؤال الملح. فحين اندلعت حرب اكتوبر وبدت ملامح استخدام النفط سلاح في المعركة القومية, قفزت الاولوية من الجغرافيا للثروة,خاصة مع الطفرة الاولى لسعر البرميل. كان الخلط كثيفا بين الثروة والموقع حتى منتصف السبعينات حين هطلت الثروة القادمة من عائدات النفط لتشكل عامل اقرب الى الحسم والجزم الغربي بأن من السذاجة مغادرة منطقة خارجة توها من الاستعمار العسكري المباشر, وتركها تصيغ سياساتها وتعمق اتصالها بالعمق العربي الطبيعي. ثمة تحولات عميقة بدأت تتخذ متاريس لها في ارض الاقليم اليافع, فعائدات النفط غطت على كل شيء.. حتى على الاولويات والاستراتيجية, فكانت هذه الاخيرة تبنى وفق الخلاصات الرئيسية للتوجهات الدولية باعتبار ان الاقليم اصبح اهم موقع استراتيجي منحه الله الثروة من تحت الارض واستراتيجية الموقع من فوقها, فدخل بكل قوة في المصالح الحيوية للغرب كونه يمده بشريان حياة الصناعة المتقدمة. وفي لحظة التيه الفاصلة بين منتصف العقد السبعيني واخره, بسبب الثروة الهابطة حتى ارتفاع الاسعار , تزلزلت الارض في الضفة الاخرى من الخليج وبدأ ريش الطاووس الايراني يتساقط سريعا كمن اصابه مرض عضال لا فكاك منه, ليعلن عن انتصار الثورة الاسلامية في ايران على ايدي مجموعة من رجال الدين على رأسهم اية الله الخميني. الزلزال كان مركزه طهران, بيد ان ارض الضفة الاخرى ارتجت ايضا, واختلطت اوراق الاستراتيجية الامريكية, بل انقلبت رأسا على عقب. فالذي كان صديقا حميما وقوس موجه للجمهوريات الاسيوية الوسطى من الاتحاد السوفييتي, تبدل جلده واصبح عدوا لدودا يرفع شعار الموت للشيطان الاكبر. لقد كان الذعر الامريكي من ثورة ايران 1979م, اكبر من التوقعات, بل اكبر من القلق في الضفة, الاخرى من الخليج. فها هي الجغرافيا تتعدى ويقترب الزلزال من منابع النفط ويحقق الطرف الاخر في معادلة الحرب الباردة نصرا في حرب لم يطلق فيها رصاصة واحدة. لكن النتائج الاولى للزلزال كانت مغرية لدرجة القلق والخوف, ليس في قمة الهرم فحسب, بل في قاعدته ايضا وفي الطبقات الوسطى ايضا. فالاسئلة تجاوزت المعقول عن ماهية القادم من النجف الاشرف في العراق ليتبوأ كرسي السلطة في طهران مدعوما بالاف من تلامذته المخلصين له في الاديان الايرانية التي كانت غارقة في فقرها واميتها لحساب المركز الشاهنشاهي في عاصمة كانت تعتبر الاقوى في الاقليم, والخامسة في العالم من حيث العتاد العسكري والعمق البشري والاقتصادي والجغرافي. المشهد كان مربكا لدرجة التيه والضياع في كيفية التعاطي مع سلطة جديدة تبشر بدولة الخلافة الاولى على طريقتها الخاصة, وبين هذه النية وتفجر الاسئلة عن احوال الاقليم الخليجي المترقب والمتخوف من الحقبة الجديدة, تفجرت حرب الخليج الاولى قبل الاجابة على اسئلة عمرها اكثر من عشر سنوات, هذه مصير الجزر التي احتلتها ايران في عهد الشاه حتى تسمية الخليج هل هو فارسي ام عربي طمس الشاه انتماءه بالقوة, وما بينهما من اسئلة عن حال الاقليم. كان مقررا للحرب العراقية الايرانية الا تدوم اسابيع, فاذا بها تمتد ثماني سنوات عجاف احرقت اليابس والاخضر, بالرغم من انها سببت طفرة اخرى لسعر البرميل الذي تعتمد عليه دول المنطقة, كليا, في ايراداتها حتى وصل إلى مشارف الاربعين دولارا للبرميل الواحد, لدرجة ان احد الخبثاء اعلن ان ميزانية احدى الدول الخليجية تغطي جغرافية الوطن العربي اذا رصعت بفئة المائة دولار. الا ان هذا الوضع لم يستمر فهوت الاسعار إلى ما دون العشرة دولارات للبرميل منتصف الثمانينات, بينما الحرب تستنزف الجميع, طرفي الحرب مال ورجال وتدمير, ودول الاقليم التي وجدت نفسها في الازمة لا خارجها, يقال ان الحرب كلفت اكثر من خمسمائة مليار دولار, غير التكاليف غير المباشرة من قتلى وتراجع خطط التنمية لصالح العسكرة في كل المنطقة دون استثناء. وحين اسد الستار على اطول حرب في المنطقة, لم يكن هناك عاقل ليقف ضد هذا التطور, فهللت المنطقة واستبشرت بغد افضل تستطيع من خلاله الاجابة على اسئلة باتت تؤرق الجميع اكثر من ذي قبل: اسئلة مثل التنمية الاقتصادية والمشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي والتخطيط المستقبلي لابناء المنطقة الذين تغلغل القلق في اعماقهم, ولم تأت الاجوبة هذه المرة ايضا, فكانت المنطقة على موعد مع الثاني من اغسطس عام 1990 حين اصبح الجميع على نبأ قادم من واشنطن يقول ان القوات العراقية اجتاحت الكويت, لم تفق المنطقة من الصدمة الا بعد ثمانية واربعين ساعة فاعلنت النبأ اليقين بأن في عقر دارها زلزالا اشد قوة من الزلزال السابق. انها حرب الخليج الثانية, فالذي لم تستطع فعله واشنطن في ايران, فعلته في الضفة الاخرى, واعلنت انها ستقود تحالفا دوليا لتحرير الكويت من الجيش العراقي, وقد جمعت اكثر من نصف مليون جندي وعتاد حربي كفيل بتحرير الكرة الارضية من الفقر والمرض, وحصلت المواجهة في العام 1991, وفرضت المعادلة الحربية على العراق: المهزوم يدفع الثمن الذي يحدده المنتصر, لكن من هو الذي انتصر؟ واسئلة اخرى اضيفت إلى سابقاتها دون اجوبة حتى اللحظة. خلاصة حرب الخليج الثانية كان استنزافا لما تبقى من ثروة وتحول الفوائض المالية إلى عجوزات متراكمة لن تنتهي في العام 2000 كما يأمل القائمون على الشأن السياسي لسبب بسيط هو ان اسعار النفط تهاوت دون الثلاثة عشر دولارا للبرميل فيما موازنات المنطقة محددة خمسة عشر للبرميل الواحد, ثم ان هذا الانخفاض وفر على الولايات المتحدة ثلاثة عشر مليار دولار, وحقق فائضا تجاريا مع دول الاوبك مقداره عشرون مليار دولار, وخفض سعر البنزين في الولايات المتحدة بمقدار 21.3 بالمائة ليصبح ارخص من معظم دول الخليج. وفوق ذلك كله اخرجت الحرب العراق وانهكته اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا, لتعاد, مرة اخرى, لعبة القوى الاقليمية إلى البروز والاطلالة من النافذة الخلفية دون مراقبة محكمة لتبعاتها. والاقليم الان امام اسئلة حرجة تزداد تعقدا كلما تأجلت: من هو المسؤول عن امن الخليج؟ هل هم ابناؤه المغيبون عن الفعل السياسي والاجتماعي بفضل الاسئلة المؤجلة؟ ام توازن القوى الاقليمية, ام الولايات المتحدة وحلفاؤها كما يرى الموقف روبرت بلليترو المساعد السابق لوزير الخارجية الامريكي لشؤون الشرق الاوسط؟ اسئلة كثيرة تحتاج إلى انفتاح على الداخل قبل ان يأتي زلزال اخر يؤجلها. كاتب وصحفي بحريني *

تعليقات

تعليقات