مجلس التعاون الخليجي الواقع والطموحـ بقلم: عبدالرحيم الشاهين

لقد كانت المساعي الخليجية لخلق اطار موحد يضم بعض امارات الخليج العربي قد بدأت حينما اعلنت بريطانيا عن قرارها بالانسحاب من منطقة الخليج العربي بنهاية عام 1971 وقد بدأت هذه المحاولات الاتحادية او الوحدوية في الخليج باعلان قيام الاتحاد الثنائي بين امارتي ابوظبي ودبي في 18 فبرابر 1968, ثم جاءت محاولة الاتحاد التساعي في 27 فبراير 1968 والتي ضمت اماراتي (ابوظبي, دبي, قطر, البحرين, الشارقة, رأس الخيمة, عجمان, ام القيوين, الفجيرة) ولكن هذه المحاولة التي استمرت قرابة ثلاث سنوات واجهتها العديد من المعوقات والتحديات الداخلية والخارجية والتي ادت في النهاية الى اجهاضها. وفي الوقت الذي اتجهت فيه كل من قطر والبحرين نحو الاستقلال, اتجهت الانظار الى امارات الخليج العربي السبع, فتم اعلان ميلاد قيام دولة الامارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971 من ست امارات, وفي 23 فبراير 1972 انضمت امارة رأس الخيمة الى الاتحاد هذا الاتحاد يقدم اليوم نموذجا للوحدة او الاتحاد على المستوى العربي, رغم ما اعترضه من معوقات في ترسيخ مفهوم الوحدة العربية, وقد جاءت محاولة اعلان قيام مجلس التعاون الخليجي من 25 ــ 26 مايو 1981 في ختام مؤتمر القمة لدول الخليج العربية الست (المملكة العربية السعودية, الكويت, البحرين, قطر, الامارات, عمان) في ابوظبي بدولة الامارات العربية لتصب في قناة تدعيم العمل الخليجي والعربي في مقابل فشل العديد من المحاولات العربية. لقد كان للاخطار المحيطة بدول الخليج العربي والاطماع الدولية دافعا قويا لهذه الدول لترتيب اوضاعها لانها دول قليلة السكان, كثيرة الموارد الاقتصادية, وتتمتع بموقع استراتيجي هام, وهي محاطة بالعديد من الدول التي لها اطماعها ومصالحها فمن الجنوب الغربي اثيوبيا وفي الجنوب النظام الماركسي القائم في اليمن الجنوبي (سابقا) ومن الشمال نظام الحكم اليساري في افغانستان الموالي للاتحاد السوفييتي السابق, وعلى الشاطىء الشرقي في الخليج العربي ايران, اضافة الى المصالح الدولية للدول الكبري, وقد كان القلق الذي يساور دول الخليج ان هؤلاء الجيران قد يستطيعون خنق دول الخليج العربي القليلة السكان والتي لا تملك من الامكانيات من الدفاع عن مصالحها في مواجهة هذه الاطماع الاقليمية والدولية, بل قد يؤدى الامر الى تهديد مباشر لدول المنطقة وطمس هويتها الوطنية العربية. وفي ظل هذه الاخطار المحيطة بدول المنطقة أرتأت دول الخليج ان مصالحها وبقاءها يرتبط بضرورة ايجاد نوع من التنسيق او التعالون بل والتحالف السياسي والعسكري والاستراتيجي بين دول المنطقة لانه تهديد تتعرض له كل دول المنطقة دون استثناء, وقد كان تفكير حكام دول الخليج بقيام هذا التحالف قائما على دعم وجود قواعد امريكية على الارض العربية في الخليج بسبب الصراع العربي ــ الصهيوني, وعدم حل قضية العرب الاولى (فلسطين) والغضب الشعبي الذي يمكن ان يعصف بالمنطقة في حالة السماح للقوات الامريكية ببناء قواعد عسكرية على اراض اي من دول الخليج, بالاضافة الى انهم سيصبحون عرضه لاتهام العرب الاخرين وانتقادهم رغم المحاولات الامريكية المتكررة من اجل المحافظة على مصالحها, التي عملت على توتير الوضع في الخليج وتحذير دول الخليج من الاخطار الداخلية والاخطار الخارجية, وحاولت ان تعطي خططها في المنطقة صورة عربية حيث تم الاعلان في عام 1979 عن طريق بعض الاطراف في الخليج عن خطة لانشاء حلف يضم الدول الغربية (الولايات المتحدة الامريكية, بريطانيا, فرنسا, المانيا, والدول التي تقع على شاطىء الخليج) , بهدف حماية مضيق هرمز, ولكن الدول العربية مجتمعه رفضت هذه الخطة وفي عام 1976 دعت سلطنة عمان وزراء خارجية دول الخليج العربي الى مؤتمر مسقط (دول الخليج العربي بالاضافة للعراق وايران) لبحث امكانية قيام تعاون خليجي يساعد على تحقيق الامن والاستقرار في منطقة الخليج العربي, ولكن هذه الفكرة طويت لمدة اربع سنوات وعادة الفكرة فطرحت من جديد في مؤتمر القمة العماني الذي عقد في عمان في نوفمبر 1980 وتمت الموافقة على الفكرة انذاك على ان يقتصر المجلس على الدول العربية الخليجية الست بمعزل عن العراق وايران اللذين كانا قد شرعا في التحارب. لقد أدت تلك الاحداث وغيرها الى تسارع وتيرة العمل الخليجي لاخراج فكرة مجلس التعاون الى حيز التنفيذ فجرت مناقشة ورقة عمل في اجتماعات جانبية على هامش مؤتمر القمة الاسلامي في الطائف في يناير 1981 ثم تبلورت الفكرة اكثر وجرى الاعلان عنها في مؤتمر وزراء الخارجية للدول الست في الرياض في 4 فبراير 1981, كما تم التوقيع بالاحرف الاولى على النظام الاساسي للمجلس خلال اجتماع وزراء الخارجية للدول الست في مسقط في مارس 1981 وفي اجتماع القمة للدول الست في أبوظبي في 25 ــ 26 مايو تم الاعلان رسميا عن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتم التصديق على النظام الاساسي. ومن خلال ذلك يتضح ان قيام مجلس التعاون جاء لنتيجة عوامل سابقة ظهرت بعد استقلال دول الخليج, ولم تكن الفكرة فجائية او عفوية, وانما ظهرت بالتدرج ثم تطورت في شكل قيام مجلس التعاون, ولذلك يفترض في هذه التجرية ان تكون اكثر ثباتا واستقرارا واكثر قدرة على تحقيق الاهداف التي انشئت من اجلها. كما ان دول المنطقة تعيش اوضاعا سياسية واقتصادية واجتماعية متشابهة, اضافة الى ان فترة السبعينات شهدت تغيرات جذرية في العلاقات الاقتصادية بفعل الفورات النفطية التي تلت حرب أكتوبر 1973, وانتقال السيادة النفطية من الشركات الاحتكارية الغربية ودول الاستهلاك الكبرى الى المنتجين. وبما ان دول الخليج هي مستجمع مصالح الدول ومخاوفها واحدة فإنها أحست بترابط عضوي بينها حيث انها تملك شيئا نادرا ومهما ولا يمكن المحافظة بالوسائل التقليدية, وبما انها جميعا تعتبر طرفا في قضايا الخليج فالتعاون بينها شيء ضروري. كما ان هناك اسبابا لها علاقة بالاقتصاد والتنمية حيث تتشابه دول الخليج العربي من حيث الاقتصاد والتركيب السياسي والاجتماعي وهي تواجه المشاكل ذاتها تقريبا, التنمية, والقوى العاملة والعمالة الاجنبية. وهي ايضا تصبو الى تحقيق بعض الاهداف الاقتصادية المشتركة منها التقليل من الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الصناعية والزراعية ورغبتها في التنسيق وايجاد مجال اوسع لانتقال الاشخاص والافكار والبضائع. وفي الحقيقة ان قيام مجلس التعاون كان امرا طبيعيا لهذه المنطقة ذات التاريخ المشترك والمصالح والاهداف الواحدة. وبذلك فإن اعلان قيام مجلس التعاون الخليجي في 25 ــ 26 مايو 1981 يعني ان دول الخليج قررت مواجهة المشاكل التي تواجهها داخليا وخارجيا, اقتصاديا, وسياسيا, واجتماعيا, وامنيا مواجهة جماعية. والآن وبعد مضي حوالي 17 عاما على قيام مجلس التعاون وفي ظل المتغيرات الدولية والاقليمية والمحلية لم يلمس المواطن الخليجي نتائج ملموسة او يقطف ثمار قيام مجلس التعاون على الاصعدة السياسية من خلال المشاركة السياسية قطريا وعلى مستوى المجلس نفسه وكذلك على الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية, ومازال الرأي العام في الخليج العربي يثير العديد من التساؤلات التي نحسبها مشروعة حول الى اي مدى استطاع مجلس التعاون تحقيق الاهداف التي انشىء من اجلها, وما هي المعوقات التي تواجه المجلس وتعيق تطوره نحو تحقيق الاهداف المنشودة, وما هو دور المشاركة السياسية على المستوى القطري وعلى مستوى المجلس وأجهزته في اتخاذ القرارات التي تهم مصالح دول المنطقة وشعوبها, وما هي التحديات المستقبلية التي تواجه دول المجلس, وهل مجلس التعاون يملك رؤية واضحة واستراتيجية بعيدة المدى للأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي. هذه الاسئلة وغيرها اسئلة مشروعة يثيرها الشارع في الخليج وفي الوطن العربي ايضا حول مجلس التعاون الخليجي ومدى قدرته على الاستمرار والعطاء لتحقيق مصالح دول وشعوب المنطقة حاضرا ومستقبلا...وللحديث صلة.

تعليقات

تعليقات