أبجديات:بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

عندما غادر كولومبس موانئ اسبانيا متوجها الى الهند عام 1492 في فترة حمى الكشوف الجغرافية, التي سادت الذهنية الاوروبية في القرن الخامس عشر , فانما كان يريد فتحا حجريا بحريا آخر تنساب منه ثروات الشرق الى أوروبا أولا, وترسيخ عقيدة كروية الارض ثانياً, لذا فانه توجه غربا على غير المألوف, ليلاقي الشرق في نهاية المطاف! ولم يصل كولومبس الى الهند, ولكنه بوغت بارخبيل من الجزر, قذف عليها مراسي سفنه, وابتهج بتلك المتع المتوافرة فيها, والتقط ما استطاع من اشياء مدهشة ومثيرة, وسماها جزر الهند, ظانا في قراره نفسه انه قد التقى كنوز الشرق اخيرا, وبعد زمان طويل عرف كولومبس انه كان على خطأ كبير! ومنذ كان السفر, ومنذ رحل المسافرون بسفنهم وخيالاتهم فان ادهاش السفر لا يتوقف أبدا. البارحة, واليوم وكل يوم, تقذف الحياة في طريقك, وجوها واصواتا واسماء, وفي هذا الزحام تحدث المفارقات, وتتساقط الكثير من اوراق الذاكرة, ويرحل البعض بعيدا, دون ان تدري او حتى تشعر برحيلهم. بعض اوراقك الحميمة, تطيرها رياح الزمان بعيداً, الى جغرافيا اخرى, وزمن آخر, ويكون السفر فرصتك الوحيدة احيانا للقبض على هذا المتطاير, وأجمل ما في الأمر ان يجيء هذا السفر مباغتا, وان يكون العثور على المتطاير القديم مفاجئا في زمن كان, عرفتها, وكانت سيدة حلوة المعشر, طيبة النفس ربطت بيننا صداقة جميلة, ظلت زمنا لكن الاختفاء المفاجئ يصبح منطقا مقبولا في احداث بعينها, وهذا ما كان, فمنذ ما يزيد عن العشر سنوات لم اسمع عنها شيئا, وتصالحت مع الامر, ولم احاول ان ابحث عنها طويلا, الا تلك المحاولات اليائسة في بدايات الامر ثم نسيت كما نسيت اشياء اخرى اكثر أهمية فالمشاغل تطغى على الواجبات في منطق الجميع. السفر المفاجئ الذي نختلقه برؤانا الخاصة, ونحشره في مساحة ضيقة من الزمن, ونملؤه بجماليات نحن فقط من يستشعر شفافيتها, هذا السفر النقي قد يقودنا للقاءات اخرى, كأن نلتقي اولئك الذين فروا منا قبل الاوان, حتى قبل ان يقرع الفراق طبول حروبه البشعة. وان يدبر لك القدر هذا اللقاء في مدينة تعبق بحميمة الامس وجمال اليوم كالبحرين, وفي حفل مفعم بصوت ساحر كصوت فيروز فلاشك ان يبقى تأثيره يتردد في جوانب نفسك زمنا. لقد كان اللقاء المفاجئ بتلك الصديقة على غير موعد, وعلى غير انتظار وكانت أول عبارة نطقت بها: (صحيح ان الارض صغيرة ومدورة) وتساءلت بعدها هل نحتاج الى براهين بهذه الطريقة لنتيقن بأن الارض مستديرة فعلا وليست كطاولة المكتب كما كان يظن سابقا؟ نحن فقط نحتاج الى ان نكتشف قوانين الحياة على طريقتنا, وليس على طريقة كولومبس وماجلان, فكل يكتشف بمنطقه, ويستفيد من كشوفه بمنطقه ايضا.

تعليقات

تعليقات