ابجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

في ذاكرة الأدب العربي المكتوب, والمحكي, نثرا وشعرا, تتحول الامكنة دائما الى نصوص تملأ النص حياة وجاذبية, وبها يتحول النص الى حكاية عشق تعلن انبثاق المدن والاحياء والمقاهي, والشوارع ,والحارات القديمة من قلب الراوي الى عمق النص, ومن قلب النص الى أنهار الزمان التي لا تتوقف عن الجريان ابدا. كلنا ولدنا في حارات, وأمكنة وشوارع غير التي نقيم فيها اليوم, ولاننا نبدل اماكن سكنانا, كما نبدل قطع ثيابنا بكل بساطة, فعمر المكان في حياتنا قصير جدا, كعمر فراشة, او رحلة عبير في قلب زهرة, يتكون ويولد ويموت سريعا, او نقتله نحن بدم بارد, ونغتال معه أنفسنا, وأحلى تذكاراتنا. حارات اللهو القديمة, تحتلها أقدام اخرى,حطّها السيل من علٍ, فكانت كجلاميد الثلج, مع قدومها انهمر الصقيع علينا وعلى تلك الامكنة الدافئة, فتجمدت النهارات, واغتيل لون المساء وانتهى عشق المكان, صار في خيالنا مجرد فراغ مترام احتله الصقيع, وعمران اخرس متدافع لا ينتهي.. ووجوه غريبة تمارس طقوسا اغرب, لا نستطيع اجتثاثها, ولا نقدر على احتمالها!! فصرنا نعاملها على طريقة القنافذ الذكية!! القنافذ الذكية في مدن الصقيع لا تقدر على احتمال البرد, فتقترب من بعضها طلبا للدفء, فلا تحتمل ألم الاشواك تنغرس في قلبها بعد هذا التقارب, فتبتعد, وهنا يباغتها الصقيع ثانية!! لقد قررت القنافذ ان تحفظ مسافة الحياة بين بعضها البعض فلا تموت بردا ولا تموت ألما! هل بقي لاحيائنا القديمة في ذاكرة الزمان مكان؟ فأين جرينا اذن ولهونا, وحماقاتنا الصغيرة, وتجمعات الصغار في المساءات وايام الجمع والجري وراء اسراب النوارس على شواطىء البحر,وجمع بقايا الاصداف والاحجار الملونة, وحكايات الامهات تغازل سطوة النعاس, اين السماوات الجميلة تضج في الذاكرة نجوما واقمارا وطيارات ورق كان الصبية يطيرونها على (سيف) البحر, فتطير معها الاحلام, والامنيات, وحقول البراءة الضاجة تحت سماء لا نمل النظر اليها. كل ذلك, علّبناه, وربطناه بالاضواء والاشرطة الملونة واضفنا عليه (خصما محترما) وقدمناه لجيوش القادمين من كل الاصقاع, فمسحنا بارادتنا وسطوة الزمان, تلك الحميمية التي ربطتنا بتلك الامكنة. لماذا لا تعيش الامكنة طويلا في حياتنا, ولماذا ننقل بيوتنا ببساطة, مع ان البيت والحارة وزوايا الشارع, هوية الانسان الاولى, وغرامه البكر,ومهما نقلت قلبك بين الامكنة, يبقى الحب دوما للمكان الاول. احياؤنا الاولى مصادرة لحساب ثقافات اخرى, معجونة بالعجائب والغرائب ووجوه, واسماء لا رابط لها بالامكنة, وكأن قدرنا ان نكون احفاد امرىء القيس يوم وقف في يوم غابر من التاريخ قائلا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.. لقد كتب علينا ان نبكي اماكننا, بعد عمر قصير, وزمن لم تكتسحه لغة الزمن والحضارات كما الامم الاخرى.. لقد اكتسحه طوفان الهجرة ورائحة الزيت الاسود, ولغات التتار الجدد.

تعليقات

تعليقات