ولو كانوا مائة!! بقلم - جلال عارف

عقب اجتماع الرئيس مبارك بقيادات اتحاد الصحفيين العرب, تحدث الزميل الاستاذ ابراهيم نافع رئيس الاتحاد, فطمأننا ــ نحن الصحفيين المصريين ــ بأن الرئيس مبارك قد اكد على انه ليست هناك اية قوانين جديدة بالنسبة للصحافة في مصر وان الدور المطلوب هو دور النقابة والمجلس الاعلى للصحافة لمنع التجاوزات التي كانت تحدث. وهو تأكيد هام يجيء في وقت تشتد فيه الحملة على الصحافة المصرية, وتتم عملية خلط واسعة لكل الاوراق بهدف ادانة الصحافة, ويتحدث البعض عن الصحافة الصفراء ثم تغلق صحف بعيدة عن الشبهات وتسلط الاضواء على صحافة تمارس الابتزاز ثم نفاجأ بحبس صحفيين اشتبكوا في معارك سياسية! وهو تأكيد هام لانه يجيء في وقت تحاول فيه جهات عديدة ان تصفي حساباتها مع الصحفيين.. بدءا من مسؤولين تم انتقادهم, الى رجال اعمال يريدون صحافة في خدمة اهدافهم حتى ولو كانت غير مشروعة, الى فاسدين تمت ادانتهم أو هم في الطريق.. وانتهاء بهؤلاء الذين يسوؤهم ان يكون في مصر صحافة قادرة على خوض معارك الوطن بجسارة, وفضح المخططات الخارجية لاختراق مصر وزرع الفتنة على ارضها, او لحصار دورها القومي المطلوب الآن اكثر من اي وقت مضى. وهو تأكيد هام في ظل تحركات مريبة في الكواليس وبين ترزية القانون الذين يريدون تعويض هزيمتهم في معركة القانون 93 الشهيرة, ويعرضون اجتهاداتهم غير المشكورة ولا المأجورة لفرض المزيد من القيود على الصحافة! وهو تأكيد هام لانه يأتي في جو ازمة يحسها الصحفيون جميعا وهم يرون ثلاثة من زملائهم في السجن, واكثر من مائة في الطريق, بسبب قضايا نشر لم يعد العالم كله يعاقب عليها بالحبس, بينما القوانين عندنا, وعلى مدى مائة عام, تسير نحو التشدد وتغليظ العقوبات, والقضاء من ناحيته يتعامل بصرامة بالغة لتطبيق قوانين لاتلائم روح العصر. في ظل هذه الظروف نفهم تأكيدات الرئيس مبارك التي نقلها رئيس اتحاد الصحفيين العرب على انها تعني انه لامزيد من القيود على الحريات الصحفية ولا مجال للانتقاص من هامش الديمقراطية لانه بالكاد يتسع لكي نتنفس. ولكن ذلك لايعني ان نقف صامتين امام قوانين لابد من تعديلها, وامام اوضاع لابد من تغييرها, ومن هنا تجيء الدهشة مما اعلنه الزميل الاستاذ ابراهيم نافع في نفس التصريحات من انه طالما ان هناك قوانين موجودة وتنفذ في الدولة, فلا يمكننا كاتحاد صحفيين ان نطالب بتعديل قوانين, ولكننا نؤكد على حرية الصحافة والتعبير والدفاع عن هذه الحرية في اي مكان. ان نقابات الصحفيين في الوطن العربي, وبالتالي اتحاد الصحفيين العرب الذي يجمع هذه النقابات ليست جمعيات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, انها اداة الصحفيين الرئيسية لتغيير الواقع الصحفي في الوطن العربي نحو الافضل, ولن يكون ذلك الا بتغيير القوانين التي تحكم العمل باتجاه المزيد من الحرية ومن توفير الضمانات لكي يؤدي الصحفي عمله في ظروف تتلاءم مع عصر يؤمن بحرية المعلومات ويقدس حقوق الانسان. وعندما يكون اكثر من مائة صحفي مصري مهددين بالحبس في قضايا رأي, فلابد ان تتحرك نقابتهم, ولابد ان يتحرك اتحاد الصحفيين العرب.. لا لكي يؤكد على حرية الصحافة كما يقول رئيس الاتحاد, وانما بالمطالبة بالغاء عقوبة الحبس او السجن في كل قضايا الصحافة.. ليس في مصر وحدها, وانما في العالم العربي كله, وهذا هو الفرق بين اتحاد للصحفيين العرب وبين اي جمعية خيرية!! اقول ذلك وانا ادرك ان الصحفيين المصريين قادرون على خوض هذه المعركة وانتزاع النصر فيها كما فعلوا في معارك عديدة سابقة آخرها معركة القانون 93. واقول ذلك والصحفيون في مصر يدركون ان الصحفيين في العالم العربي كله يتابعون معركتهم ويؤازرون موقفهم, واقول ذلك وانا متيقن من ان الدولة في النهاية ستنحاز للحق وللمصلحة العامة, وسوف تخذل ترزية القانون, وسوف تفهم ان بقاء صحفي واحد مسجونا في جريمة رأي هو وصمة عار لابد ان تمحى, وان مصر تكون بخير عندما يكون فيها صحافة قادرة على ان تنقد وتعارض وتصحح, وتحاسب المقصرين, وتمسك بالمفسدين, وتقاتل ضد الارهاب, وتخوض كل معارك الوطن بارادة واعية واقلام لاتعرف الخوف. ان التجربة التي يمر بها الصحفيون المصريون واكثر من مائة منهم ينتظرون الحبس في قضايا رأي تعلمنا الا نتهاون في الحقوق ابدا, لان ما يتعلق بالحريات لايتعلق بالصحفيين وحدهم, ولكنه يتعلق بالوطن كله. فلو اننا تمسكنا اثناء معركة القانون 93 بما اجمعت عليه ارادة الصحفيين من رفض الحبس والسجن في قضايا الرأي, لان مصر بتاريخها ومكانتها تستحق ان تكون في الصف الاول في مجال الحريات لو اننا تمسكنا بذلك لما كان اكثر من مائة صحفي مهددين اليوم بالحبس في قضايا رأي. لو اننا لم نخلط الامور لما كانت المسؤولية ضائعة, ولما تأخر صدور ميثاق الشرف الصحفي لان المجلس الاعلى للصحافة كان قد سقط سهوا منذ سنوات, ومع ذلك فقد اعطاه القانون ــ بلا مبرر ــ سلطة اصدار ميثاق الشرف الصحفي, مع ان سلطته لابد ان تنحصر في الصحف على ان تكون كل شؤون الصحفيين من اختصاص نقابتهم وحدها. لو اننا نفذنا ما انعقدت عليه ارادة الصحفيين في جمعيتهم العمومية باحالة كل الذين ايدوا قانون قتل الصحافة الشهير الى التأديب النقابي, ومن بينهم هذا الـ (ثروت اباظة) لما كنا نعاني ما نعانيه اليوم. لو تم تأديب هذا الـ (ثروت أباظة) نقابيا, لما استمر في نشر فواصل (الروح) على صفحات (الاهرام) الوقورة, تلك الفواصل التي يكافأ عليها لأسباب لانعرفها ولا يعرفها قراؤه الخمسة عشر! ولو اننا ادبنا يومها هذا الـ (عبدالعال) لفكرت الاجهزة المسؤولة الف مرة قبل ان تمنحه صحيفة يحولها الى بيت لا اخلاقي, ويصدرها بدعم حكومي, ثم يحاسب الصحفيون وتحاسب النقابة على جرائم النشرة الساقطة وجنوحها وابتزازها! لكن الوقت لم يفت, ونضال الصحفيين لم يتوقف, ووجود ثلاثة او اربعة او حتى مائة صحفي داخل السجون لايغلق ابواب الحرية, انه على العكس يفتحها على مصراعيها, ان لم يكن اليوم.. فغدا. لا نقول ذلك من باب التمنى, ولكننا نقوله لاننا نعرف اننا نحارب من اجل قضية عادلة, ولاننا نعرف ان الصحفيين الشرفاء قادرون على فرض كلمتهم لانها كلمة الوطن كله وهو يسعى نحو الحرية ويحصن نفسه بالمزيد من الديمقراطية. ولاعزاء لترزية القانون واعداء الحرية, ولا للفاسدين والمرتشين, ولا للمتربصين بالصحافة, ولا للغافلين.. او (المغفلين) !

تعليقات

تعليقات