مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

ليت أن كوفي عنان جاء الى المنطقة باللاءات الثلاثة الشهيرة: لا أسمع, لا أرى, لا أتكلم, لكان قد جنب نفسه الحرج والاحراج, وخرج من زيارته سليما معافى سياسياً, بدلاً من أن يأتي وهو يقول انه جاء ليستمع فقط, ثم ما أن يصل حتى يبدأ بالكلام, الذي هو عادة يحسب على صاحبه أكثر مما يحسب له . وأردنا أن نحسب لعنان كلاماً فلم نجد أكثر من تصريحه الأخير بأن العالم يعتبر اسرائيل مسؤولة عن تدهور السلام, وهو كلام بلا شك من الأهمية بمكان خاصة أنه يصدر من أمين عام العالم, لولا أنه للأسف لا قيمة له, أولا لأن اسرائيل لا تعترف به ولا تلقي له بالاً, وثانياً لأنه يصدر من شخص الأمين العام وليس إثر اجتماع لجمعية عمومية للمنظمة الدولية, وثالثاً لأنه جاء متردداً ومتشككاً وسط تصريحات اخرى للأمين العام رمادية. طبعا الكلام السابق المهم ولو صدر من الجمعية العامة كقرار مثلاً أو ادانة فهو ليس ملزما اطلاقا لاسرائيل, بدليل عشرات القرارات السابقة منذ اغتصاب فلسطين قبل خمسين عاما على التمام والكمال من التي لم ينفذ منها واحد حتى الان, وتبقيها الامم المتحدة ومعها الدول العربية كلها في أرشيفها بالحفظ والصون, وزاد عليها في عصر كلينتون ان أمريكا تصرح علناً بأن القرارات غير ملزمة لاسرائيل, مثلما أن قرارات الامم المتحدة بالنسبة للعراق ملزمة, وهو ما يعرفه كوفي عنان جيداً, فلماذا يغامر ضد أمريكا وهي التي سعت في اختياره أميناً عاماً؟ مع ذلك قدرت شخصياً في أول أمين عام دولي من افريقيا (أي اسود وليس ابيض فقد سبقه الى المنصب الدولي بطرس غالي) انه قدرنا قليلاً فقام بزيارة منطقتنا, فمر على بعض دولنا العربية المعنية بالصراع مع اسرائيل, كما زار المناطق المحتلة, وهو ما لم يفعله أمناء عامون سابقون بمن فيهم بطرس غالي نفسه ولا بيريز دي كويلار, حتى ولو كانت الزيارة من باب المجاملة والاطلاع والاستماع كما صرح بنفسه, فذلك فيه ما يكفي لإغاظة اسرائيل على الأقل واشعارنا بالاحترام وبالمكانة التي نحتلها عنده. غير أن التقدير الشخصي يبقى رأياً خاصاً, مقابل نتائج مثل هذه الزيارة التي يجمع مراقبون على عدم قيمتها بالمرة, خاصة لجهة الموقف المطلوب من الأمم المتحدة تجاه الحق والعدل والسلام, وهو ما لم يستطع الامين العام ان يتخذه, بل وجدنا مقابله مواقف أكثر من مستفزة وضارة بالسلام العالمي, لا بالسلام في المنطقة فحسب. من ذلك تصريحه الذي وصل الى حد الأسف حول ما أسماه بالخطأ التاريخي للأمم المتحدة حين ساوت بين العنصرية والصهيونية, مشيداً بالغاء القرار وواصفا إياه في الوقت نفسه بأنه موقف معاد للسامية, فماذا تكون الصهيونية يا عنان ان لم تكن قمة العنصرية؟ واذا تركنا هذا التصريح الذي قاله عنان وهو يرتدي الطاقية اليهودية الى غيره كتصريحه وهو ينصح العرب بالحفاظ على الوسيط الأمريكي في عملية السلام, فيوحي لنا بأن لا خيار آخر أمامنا سوى عصابة اليهود في واشنطن وتل أبيب معاً نخاصمها ونحتكم اليها في وقت واحد, فان مراقباً مثلي قدر للأمين العام زيارته للمنطقة يتمنى لو أنه جاء فعلاً باللاءات الثلاثة التي بدأنا بها الزاوية, ولم يفتح فمه لينطق ما يشبه الكفر, فقد كان من نتيجة ذلك أن تنتهي الزيارة كلها بالنسبة لنا بلاءات ثلاثة اخرى: لا طعم, لا نكهة, لا رائحة.

تعليقات

تعليقات