بؤس الصحافة والصحافيين في الجزائر: بقلم- د. عبدالله عبد الرحمن سعيد - البيان

بؤس الصحافة والصحافيين في الجزائر: بقلم- د. عبدالله عبد الرحمن سعيد

عقدت بباريس بتاريخ 16 مارس 1998 ندوة تحت عنوان(اشكالية الاعلام حول المأساة الجزائرية) بدعوة من منظمة (صحافيون بلا حدود)بالاشتراك مع نادي الصحافة في فرنسا, بهدف رصد العقبات التي تعترض العمل الصحفي في الجزائر ومن اجل اعداد مقترحات لترفع الى السلطات الجزائرية للحد من اعاقة عمل الصحفيين الاجانب. والحقيقة ان اعاقة السلطات الجزائرية لعمل الصحفيين لايقتصر على الاجانب انما هو بالاحرى وبالدرجة الاولى على عمل الصحفيين الجزائريين ولعل هذا السبب بالذات هو الذي دفع منظمة (صحافيون بلا حدود) الى حث الهيئات الدولية مثل منظمة اليونسكو والاتحاد الاوروبي على توجية نداء الدفاع عن حق الاعلام حول ما وصفته بأنه (المأساة الاكثر فظاعة في وقتنا الحاضر) . من يدري كم صحفي اسقط العنف حتى الآن فوق ارض الجزائر؟ هل هم اربعون ام خمسون.. ام مائة صحفي طالما ان الرقابة تقص كل مالا يعجبها او يسيء اليها او الى السلطة؟ وبشكل ادق ايضا, كم من صحافي دخل السجن او خيطت شفتاه او كمم انفه وفمه معا.. انفه لكي لا يشتم النبأ او الخبر, وفمه كي لايتحدث به, واذا ما شلت يداه فمن اجل الا يتمكن من كتابته ونقله الى الرأي العام؟ وكم من صحيفة صودرت او منعت من التوزيع او اغلقت ابوابها ومكاتبها لايام او لاسابيع او حتى نهائيا لمجرد انها تنقل (الحقيقة) حقيقة مايجري لا حقيقة ماتريده السلطة؟ حرب الصحافة في ظل (الديمقراطية) ديمقراطية العسكر هي على جبهتين في الجزائر: جبهة الارهابيين من كل نمط ونموذج وجبهة السلطة التي يبدو وكأنها اقسمت على (ابادة) المارقين ضدها استنادا الى المبدأ القائل (كل من ليس معنا فهو ضدنا) حتى وان كان من ليس مع السلطة بعيدا كل البعد عن ساحة الاحداث ليس له فيها لاناقة ولاجمل. وما هو مؤسف والى درجة الخزي ايضا ان حرب السلطة لم تقتصر على داخل الحدود بل خرجت الى مابعدها واجتازتها الى بلدان اخرى على اساس ان كثيرا من هؤلاء الصحافيين قد هجروا اهلهم ووطنهم تخلصا من الارهاب فتتبعهم الارهاب الى حيث يقيمون وهذه المرة فإن الارهابيين ليسوا من اصحاب اللحى الطويلة او الاظافر الخشنة ـ النتنه انما هم من اصحاب الوجوه الرقيقه والايدي الناعمة القابعين وراء مكاتبهم في مقرات البعثات الدبلوماسية. تعرفت الى بعض الكتاب الجزائرين في دولتنا الامارات, فحدثني أحدهم بمأساته. انه كاتب قديم واستاذ جامعي عريق غادر الجزائر مع عائلته, زوجته واولاده, ويكتب عندنا في صحافتنا المحلية, الا ان كتاباته يبدو وكأنها لم ترق لممثلي السلطة الجزائرية وحيث انهم غير قادرين على النيل منه فقد توجهوا للانتقام من زوجته واولاده. اذ امتنعوا عن تجديد جوازات سفرهم تجاوزا لكل قانون ولكل اعراف ومبادىء دولية, وليؤكدوا بأن الارهاب لا يحمل وجها واحدا بل اكثر من وجه في آن واحد, ويتلون تبعا للظروف, وليؤكدوا ايضا بأن الارهاب ليس من الضروري ابدا ان يحمل في يده فأسا او سيفا. وهكذا فإن حرب السلطة ضد الصحافيين تطالب حتى النساء والاطفال, اي ان الاساليب المتبعة في هذا النطاق هي ذات اساليب الارهابيين وهذا ما يؤسف له حقا بل انه يدعو الى الخجل. في ذات الوقت كنت قد قرأت بأن سلطات سجن ماماك التركي قد حلقت شعر ولحية وشارب الكاتب والصحافي التركي (بشار قابلان) الذي كان اودع السجن قبل ايام بسبب مقال انتقد فيه رئاسة الاركان العامة التركية. بديهي ان تصرفا كهذا هو في غاية الهمجية الا ان مرتكبيه على الاقل لم يذهبوا للاعتداء على عائلة الصحافي المذكور وربما قد فعلوا من يدري؟ ولو انهم قد فعلوا حقا فإنهم هم ايضا لا فرق بينهم وبين اي ارهابي منبوذ, فمثل هذا الارهابي يحمل اي سلاح قادر على الفتك به, بينما هؤلاء قد حملوا موس حلاقة, لنتسائل عن الوصف الذي يمكن ان نعطيه لاؤلئك الذين يمتنعون عن اعطاء جواز سفر للنساء والاطفال؟ مأساة الجزائريين في هذا السياق ليست سهلة, وعلى الاخص مأساة الصحافيين هؤلاء الذين توزعوا على اكثر من بلد علما ان معظمهم لم يخرج بحثا عن الربح الافضل انما بحثا عن الامان والاطمئنان فان لم يجده حتى لدى ابناء بلده في مقرات البعثات الدبلوماسية فاننا نتساءل عن امكانياته وقدراته في ان يجده لدى الغير؟ نحن نعرف ان (القلم) طالما شكل سلاحا, بل ان سلاح القلم ربما هو اعتى واشد خطرا من اي سلاح عادي, الا ان تشبيه صاحب سلاح القلم بالارهابي لكي لا يختلف عن اولئك الذين لا ضمير لهم ولا دين ولا رأفة ولا انسانية,. لابد وان يحمل الكثير من التجاوزات, وكل من يلجأ الى هذه المقارنة اما ان يكون جاهلا واما ان يكون معتوها واما ان يكون حتى ارهابيا, وبشكل او بآخر انما يعمل في سلوكياته هذه وممارساته على مساعدة الارهابيين بالذات, فالارهابيون يقطعون الرقاب او الايدي او الارجل بينما يعمل غيرهم على قطع الالسن او خياطة الشفاه, الا انها ممارسات تدخل في صلب الديمقراطية التي تأهل لها اصحابها وحملة شعاراتها الحاليون تحت خيمة وديكتاتورية الحزب الواحد. يالبؤس الصحافة والصحافيين في جزائر الوقت الحاضر, ضحايا مجموعة من (الفررة) خدموا من قبل ويخدمون الان بذات الطرق والاساليب وكأنهم لم يبدلوا شيئا في مفاهيمهم او اصطلاحاتهم (النزقية) ولا عجب في ذلك اذ انهم مقتنعون كل الاقتناع بانهم يمثلون (سلطة) ولا يمثلون (شعبا) فمن باب اولى ان يمارسوا نشاطهم بهوائية المزاج في الزمان والمكان على حد سواء, ولو ان الامر غير ذلك لعرفوا بأن افضل دبلوماسية انما هي كيفية اكتساب المؤيدين والاصدقاء لا كيفية الاكثار من الاعداء. في حالة الجزائر نحن نعرف دائما بأن المسألة تشدد على التمسك بــ (النيف) اي الاعتزاز بالسيادة ان لم يكن الاعتزاز بالنفس بيد ان رواد الثورة الذين صنعوا المبدأ قد ارتكزوا على الحق لا على الضلالة, ولعل هذا السبب بالذات هو الذي اكسبهم احدى الحسنيين (الشهادة) بينما جاء (الورثة) راضين بالوقوف على الاطلال راضين بالسعادة فوق تعاسة شعب عريق هدته المحن. ومع ذلك فأنا لا أفهم المغزى الذي يريد ان يبلغه من يتدنى للانتقام من النساء والاطفال لا افهم ارادته وتصميمه في تكميم الافواه بأي وسيلة كانت, لا افهم القانون الذي يستند اليه ان لم يكن قانون الغابة. ان التعامل مع الناس يتطلب حدا ادنى من اللباقة والكياسة وخاصة بالنسبة لاصحاب السلطة الذين يفترض فيهم التحلي ولو بالقليل من الانسانية والعدالة حتى اذا ما استعصى عليهم الامر. واستنادا الى بعض المنطق والعقلانية اما ان مصيرهم الى الانسحاب وافساح المجال للافضل واما تحمل مصيرهم المنتظر الذي لن يخرج عن احد وجهين, اما القضاء قهرا نتيجة لتأنيب الضمير, واما قبولهم لقدرهم بصفتهم مجرد وسيلة فان مألهم هو مآل اي شخص يعصر ويستهلك حتى العظم! كلية الشريعة والقانون ــ جامعة الامارات*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات