أبعد من مشكلة الكتب الممنوعة في الكويت: قراءة ثقافية في أزمة سياسية: بقلم- الدكتور محمد الرميحي

الموضوع الذي أنا بصدده أكبر من أن يحاط به في مقالة صحفية, لذلك فإن ما أرجوه من القارىء الفطن هو ان يعتبر هذه الافكار مقدمة لنقاش وطني في موضوع ذي أولوية, لن يكون حيويا ومثمرا الا بفتح حوار حوله , وهو حوار وطني يستدعى كل الأقلام الجادة ان تشارك فيه, بعيدا عن الهوى وقريبا من التجرد..). الظاهر على السطح السياسي في الكويت, هو ان هناك أزمة قد مرت بالمجتمع الكويتي عنوانها العام أزمة الكتب الممنوعة, وقد أدت هذه الازمة الى ان تستقيل الحكومة بعد فترة من التساؤلات والتحقيقات والاستجواب للوزير المختص داخل البرلمان, واكبتها حملات صحفية مع أو ضد لم تخل في معظم الاحيان من الغلو والشطط وتبادل الاتهامات, والتراشق بنعوت السوء, واذا كانت هذه الازمة هي في حدود ما اصطلح على تسميته باللعبة السياسية فإن مناقشتها في اطار ثقافي تختلف اذ لن يكون هدفها البحث عما اذا كانت هذه الازمة وذيولها انتصاراً لتيار سياسي اصطلح على تسميته بالتيار الديني ضد تيار آخر اصطلح على تسميته بالتيار الليبرالي, فالاختلاف هنا ليس شكليا او سياسيا فقط, بل هو موضوعي فكري حيث ان تكييف الربح والخسارة هنا غيره هناك, حيث ان التكلفة يدفعها المجتمع بكل اعضائه وشرائحه. الصحوة الاسلامية التي شهدتها المجتمعات العربية على وجه الخصوص في السبعينات يسميها بعض الكتاب من داخلها بــ (البعث الثاني) , حيث كان البعث الاول في عقد (الاربعينات) من هذا القرن, وهي (صحوة تفوقت على صحوة الثمانينات التي شهدناها) , وهذا التعبير وغير ذلك من الاحالات في بعض ما أعرض له هنا يعود الى اشارات مرجعية لما كتبه الدكتور اسماعيل الشطي في اربع حلقات بين 7 و10 مارس سنة 1997 تحت عنوان (الاصولية مواجهة مزمنة ومتراكمة) ونشر في جريدة الشرق الاوسط تباعاً, وهي دراسة مهمة وموثقة ونقدية وشجاعة ايضا. العديد من الكتاب يرجعون تفسير هذه الظاهرة الى ان الصحوة الاسلامية العربية في السبعينات ومابعدها في العديد من البلاد العربية, عائدة الى جملة من الاخفاقات السياسية والاجتماعية, ويرصدون الاسباب ضمن عوامل اخرى عديدة منها هزيمة العرب في 1967, والازمة الاقتصادية الخانقة في بعض المجتمعات العربية, واتساع رقعة الفقر, وشيوع الاستبداد, ودور النظم الشمولية في استدراج الهزائم, وفشل التجربة الليبرالية في تحقيق اهداف ملموسة للجماهير, وتذبذب القيم في المجتمع, اضافة للعديد من الاسباب التي قد تنطبق او لا تنطبق على بعض المجتمعات ومنها المجتمع الكويتي, ولكن هذه التفسيرات تخلط بين عوامل الانتشار واسباب الوجود للظاهرة الدينية بشكل عام والاسلامية بشكل خاص. مايقدمه البعض من اسباب قد يفسر بعض عوامل الانتشار, ولكنه لا يفسر اسباب الوجود, وبعجالة فإن الظاهرة الدينية لها مثيل حتى في الغرب, وهناك ادبيات كثيرة كتبت على تلك الظاهرة, منها ما سمي بــ (الاغلبية الاخلاقية) في الولايات المتحدة, والتي يرجع اليها ــ كمثال ــ وصول رئيس الجمهورية الامريكية الاسبق رونالد ريجان الى سدة الحكم, وهي تلبي حاجات روحية تتعاظم حتى في المجتمع الغربي الذي يسميه البعض اليوم بالمجتمع ما بعد المادي. تعقيدات الظاهرة الدينية تتمثل في ان لها (وجوداً وكامنا ثقافيا) في المجتمع العربي الاسلامي, ولفهمها لابد من دمج الكامن الثقافي الذي فسر وجود الظاهرة في الاصل مع الواقع والمتغير الاجتماعي والاقتصادي الذي يفسر بعض عوامل انتشارها كتيار سياسي ويفسر ايضا اختلاف المطالب السياسية التي تنادي بها, كلما تغير الحاضن الثقافي والاجتماعي, لذلك فإن القراءة السطحية والمبتسرة التي تعاملت مع الظاهرة الاسلامية على انها (نشاز) او ظاهرة (مؤقتة) هي قراءة لا مستقبل لها, ولا تقدم الفهم العلمي الصحيح, وبالتالي لا توصل الى نتائج حيث ان هذا التوجه قادر كما رأينا في (البعث الثاني) وبحكم الموروث الثقافي على ان يستمر ويعاد انتاجه باشكال مختلفة, في (بعث ثالث) او رابع. هذه القراءة الخطأ والجامدة, ترى ان الظاهرة المسماة بالاسلام السياسي هي ظاهرة واحدة وموحدة, ولايميز البعض من منطلقهم الايديولوجي الفوارق الواضحة بين هذه الالوان العديدة التي تتشكل منها الظاهرة, ولا مطالبها السياسية والاجتماعية التي تختلف كلما اختلف الحاضن الثقافي, وهي في الحقيقة مثلها مثل غيرها من الاجتهادات السياسية مختلفة اختلاف الوان الطيف, كما ان اولوياتها السياسية والاجتماعية والثقافية مختلفة, بل ومتضادة في بعض الاوقات. يقع نقاد الظاهرة الاسلامية الحديثة نتيجة للقراءة المبتسرة في تناقض واضح, فهم عندما يتحدثون عن التراث الاسلامي يعترفون بانه تراث تاريخي غني ومتحرك ومتفاعل وقابل للاخذ من تجارب الآخرين وهضمها وتبني المناسب منها, وعندما يوصفون الحركات السياسية الاسلامية المعاصرة عادة ما يصفون هذا التيار بشكل مجمل بأنه ثابت مغلق على نفسه غير قابل للتطور, وهذا هو خطاب التباين او التناقض الذي يغض البعض فيه الطرف عن الرباط بين هذه التيارات وتلك الثقافة, فإن كانت الثقافة الاسلامية كما اثبت التاريخ قابلة للتطور, فان هذه التيارات يمكن (مقرطتها) أو بعضها على الاقل, بمعنى استيعابها للحديث عن الممارسات الديمقراطية, والافكار الحديثة, ولقد وقعت بعض قيادات التيارات اليسارية سابقا في المعضلة التي تحاول ان توائم بين العدالة الاجتماعية والتراث الديني, ولنا في المعاصرين مثل خالد محيي الدين, او في الأدب كقصيدة شوقي (الاشتراكيون انت امامهم) مثال واضح على هذه المحاولة بل لنا مثال واضح فيما كتبه د. وليد خدوري في الطليعة الكويتية (18 الحالي) عندما قال عن الحركة القومية مبينا فشلها بان انتسابها الى الدين لم يكن في يوم ما مشكوكا فيه. والوعاء التراثي الديني المسلم هو تراث لا يستطيع عاقل ان ينفك منه, لذلك وجدنا بعد الازمات العربية أن الأقرب للخطاب السياسي الديني اناس كانوا دعاة للخطاب السياسي القومي او اليساري, وهناك اسماء عديدة لا يتسع المجال لاستعراضها, وقد جمع فيما بينهم رفض الواقع الحاضر وطلب التغيير. الاختلاف هو في عمق ومساحة الاستعارة للبناء على الموروث الثقافي, فهناك تيارات من الاسلام السياسي تقول بالموروث وتمزج معه ــ بدرجات مختلفة ــ أفكاراً مثل احترام الرأي الآخر, وقبول التعددية والقول بمقاصد الشريعة وربطها بحاجات المجتمع, والقبول بالديمقراطية (وليس الليبرالية) أي باختصار اقتباس مايصلح من ممارسات عقلانية في السياسة والاقتصاد والاجتماع, وهناك ادبيات دالة على هذا الامر كثيرة, وممارسون كثيرون أيضا. وهناك تيار متشبث بالنصوص وأقوال السلف دون محاولة للتفسير أو المواءمة. وعودة للدراسة التي أشرت اليها للدكتور اسماعيل الشطي, وإن كانت تتناول الحركة الاسلامية بعامة, فلها اسقاطات دون شك على الواقع الكويتي, فهو يتحدث عن الحركة بكل فصائلها (الوديعة والمخيفة, الأليفة والمتوحشة) هذا نوع من التوصيف من الداخل للظاهرة المسماة بالاسلام السياسي اليوم في العالم العربي ودليل على التراتبية في الاجتهاد الذي وصفناه سابقا, فهناك شرائح مخيفة ومتوحشة, وهناك اخرى أليفة ووديعة, وانا اعتقد ان ماتبناه الدكتور الشطي من قول (نحن النشطين في الحركة الاسلامية ــ في الكويت ــ والمعارضين للعنف) هو قول صحيح ينطبق على الواقع الكويتي, الأليف أو على جزء أكبر منه (إن استثنينا البعض القليل من قساة الألفاظ ضد معارضيهم, وربما يكون ذلك اصلا مجرد رد فعل عارض) لذا فإنه من الممكن القول بشيء من اليقين ان الاجتهادات السياسية الاسلامية اليوم في البلاد العربية هي اجتهادات تتقولب بالمحتوى الثقافي والاجتماعي المحلي, وهو قول ورؤية الى حد كبير صحيحان, وهو صحيح في الكويت, وكمثال للتدليل على ذلك فقد فرض الاحتلال العراقي للكويت على النشطين الاسلاميين الكويتيين كجزء من الحركة الدولية كما فرض على القوميين, ان تتفرق بهم السبل على زملائهم في الخارج كما ذكر الشطي بالحرف (لقد تقدموا الى بلاط الطاغية صدام بفتوى قومية اسلامية لاستباحة حرمتنا) . وكما نشر في الطليعة سواء دراسة خدوري او في السابق. ان كان الامر كما يقول الشطي, وهو محق: (حتى هذه اللحظة لا أحد يعرف ماهو منهج المشروع الاسلامي لقيام دولة الخلافة على المستوى العربي والاسلامي) , ولاحظ الشطي ايضا ان (هناك قدرا كبيرا من اعمال الاسلاميين ساهمت في هذه الفوضى.. لقد خرجت (الحركة) من افغانستان ببطولاتها لتحيل هذا القطر من العالم الى بركة من الدم.. ودخلت (الحركة الاسلامية) حرب الخليج سمسارا لطاغية.. ودخلت بمشروعها في السودان على متن دبابات.. واستنزفت باسمها كل مفردات الادانة من قاموس الشريعة الاسلامية) . اذا كان الامر كذلك على الساحة العربية وهو امر محير لعقلاء الدعوة, فكيف هو على الساحة الكويتية, حيث تنشط اكثر من مجموعة اسلامية سياسية, بجانب النشطين من الاسلاميين المدفوعين بعقيدة صافية لعمل الخير بعيدا عن المواقف السياسية, يوحدهم في المناسبات عداؤهم للآخر, ولاتجمعهم أجندة داخلية واضحة الخطوط والبرامج تجيب على تساؤل: ماذا نريد للكويت ان تكون اقتصادياً وثقافيا وتعليميا, ماذا نريد ان نقدم للمواطن الكويتي, وماهي آفاق تطور هذا البلد الذي ووجه بأعتى تدمير في التاريخ المعاصر. من المهم ملاحظة حسب التحليل السابق ان التيار الاسلامي في الكويت باجتهاداته المختلفة بالضرورة هو تيار محلي, ومن المهم ايضا معرفة ان هذا التيار يمارس اللعبة الديمقراطية بوسائله المتاحة وآلياتها المتعارف عليها, ولابد ان الكثيرين من افراده وقياداته ترى ان سفينة الكويت هي سفينة واحدة اشاعة الاضطراب فيها يأتي بنتائج سلبية على المجتمع, وانه بالضرورة الديمقراطية والمجتمعية لايمكن استبعاد الآخر بسبب اجتهاده, كما ان الناشطين في هذه التيارات أول من يعرف بأنه لايوجد هناك اجتهاد واحد للاسلام السياسي في الكويت, هناك اكثر من رؤية وأكثر من اجتهاد ان ابتعدنا عن العموميات ودخلنا في التفاصيل, بل ان ابناء التيار الواحد تتفرق بهم السبل كما حدث في تيار السلف, كما ان بينهم النشطين المنظمين الى حد ما, وهناك المتعاطفون او الذين يعتقدون لاسباب سياسية وانتخابية ان هناك تياراً غير مرئي يقرر دعمهم او حجب هذا الدعم عنهم في الانتخابات النيابية او غيرها من المؤسسات, كما ان بينهم خطاباً سياسيا ان صح القول مغلقا وخطابا سياسيا آخر منفتحاً, ولكن الاهم من ذلك هو الملاحظة بان الفرق المختلفة من جهة متقدمة عن غيرها بدرجات نسبية في التجنيد السياسي,كون اصحابها يفترشون فضاء ثقافيا مسلماً, كما ان بعض فرقهم تربط بين التجنيد السياسي ونظام من الوجاهة السياسية والاجتماعية والسياسية, كما ان لبعضهم قابلية كبيرة في تجنيد الشباب وشغلهم بتنويع نشاطهم, ومن جهة اخرى هناك افتقاد لأجندة سياسية شبة مفصلة لماذا يراد للكويت ــ كمجتمع ــ أن تحققه. لذلك لابد من الابتعاد من الاجندة التقليدية في قراءة الحركة الاسلامية كطائفة واحدة وموحدة, او ان لاطرافها اجندة سياسية مشتركة وواضحة المعالم, وما حدث في قضية الكتب الممنوعة ماهو الا حادث سياسي وتحالف واسع حصل في لحظة ما وتجمع على الجوهري والمشترك بين اعضاء في المجلس النيابي واعضاء من داخل هذا التيار ومن خارجه او متعاطفين معه او من غيرهم كل لاسبابه الخاصة, ولا احسب ان الواعين منهم بالامر يريدون حقا ان يعتبروه انتصارا لدعوة, اكثر منه ربح جولة في معترك سياسي ارتضاه الكويتيون جميعا, مجاله الدستور والبرلمان كساحة لحسم الخلافات التي لابد ان توجد في مجتمع حيوي. وان انتقلنا من العام الى الخاص فإن المشكلة التي تواجه العمل السياسي الكويتي بعد الازمة المذكورة هي بناء تقليد للحوار والمصارحة في الساحة السياسية, وبعيداً عن ادماجها قسرا بالعقيدة, وحتى يتسنى لنا تفسير ذلك نرصد ما قاله الدكتور عبد الرزاق الشايجي نفسه في مقدمة ما وزع على الاعضاء ووصل لغيرهم من مجمل ما رآه من خروج في الكتب (الممنوعة ــ ـ المسموحة) فقد قال ما نصه (ما اخفق العرب في السياسة والاقتصاد والحرب الا عندما كممت الافواه) وترجمة هذه العبارة يمكن ان تفضي الى معقول القول بانه لم يتقدم المسلمون في سالف عصرهم الا بحرية البحث العلمي, وحرية القول وحرية القراءة اساسهما, وهنا يمكن ان يتسع المجال للبحث حتى فيما نرفضه, وفي تراثنا الكثير من الشواهد على صحة هذه المعادلة, كما ان بعض هذه الكتب التي اثارت الازمة لايزال الى اليوم يباع ويعرض في السوق العربية في دول عربية بها الكثير من المسلمين أو هي مسلمة عن بكرة أبيها, فهل يعني السماح بها في تلك البلدان المسلمة خروجا عن العقيدة لهذه الجماعات؟ وما وصل الى علمي من ان بعض معارض الكتب الأخيرة وفي بلاد غير بعيدة عنا مسلم اهلها, تعرض بعض الكتب الممنوعة في الكويت تحت لافتة لاغراء المشتري المتسائل كونها (الكتب الممنوعة في الكويت) . استنطاقي للأزمة انها سياسية تم اختيار موضوع الكتب عنوانا لها بالصدفة, وهو اختيار وإن حقق مقاصده السياسية فقد قدم مثالا غير حميد للبعض في الكويت والخارج وللمنطق السليم الذي يقول بان كتب التراث مليئة بمثل هذه العبارات التي تشبث بها الاستنكار وهي عبارة متوافرة للباحث الجاد بأكثر من صورة في أكثر من مرجع, بجانب ان مثلها لايهز عقيدة أو يغير رأيا ثابتا, وفي عصر يتسم بالتحرك السريع وانتقال المعلومة بطرق شتى, وفي عصر ينادي ويمارس التعددية فإن الشكل الذي اتخذته الازمة سيبقى مدخلا للنصابين بأن بعض تيارات الاسلام السياسي بحكم التكوين الداخلي حركات غير قابلة للتفاعل الايجابي مع عملية التطور الديمقراطي للبلاد, واحترام حرية القول, لقد نسب لأحد قيادات التيار الاسلامي قول مفاده:( إننا وقفنا مع الاستجواب ضد الحكومة رغم وجود ممثلين لنا فيها) وان كان الامر كما قال اسماعيل الشطي في الدراسة التي اشرت اليها (لقد بذلنا جهدا كبيرا في اقناع الكثيرين بان الخيار الوحيد امامنا لتطبيق الاسلام هو الديمقراطية) , فان الديمقراطية تعني قبول التعددية وعدم مصادرة رأي الأخر وتستهدف في نهاية الامر مصالح الشعب العامة والمشتركة والحيوية, وبالتأكيد هذه المصالح تتحقق أكثر ما تتحقق في الحكم الديمقراطي من خلال المساهمة في السلطة التنفيذية. لقد اصبح من الواضح ان التناقض المنطقي المسكوت عنه في الازمة من طلب الحريات وغمطها في آن واحد وطلب للمشاركة في السلطة التنفيذية والاستغناء عنها في الوقت ذاته, دليل, عل الاقل, على عدم وضوح الاجندة السياسية, ان اول خطوة لقبول الديمقراطية هي قبول تعدد الاجتهادات. واضح من العرض السابق ان هناك تعددية في المرجعية لهذه التيارات وفي الاهداف المراد تحقيقها فهل هي فئوية محدودة, أم هي اجتماعية وتنموية عامة, هل هي ثقافية أم سياسية؟ وواضح ايضا ان هناك اجتهادات مختلفة وفي بعضها تناقض في الممارسة, وهناك ايضا افتقاد لوحدة الخطاب ووحدة الممارسة حتى في التيار الواحد, والتي قد تكون الشغل الشاغل للعديد من الممارسين في ثنايا هذه التجمعات الذين يبحثون بدأب عن حلول لها. هذه الحلول, يستبطئها الناس في وقت يشتد فيه العطش من فئات عديدة من الشعب من بينها قطاع لا يستهان به من القاعدة الاسلامية نفسها لخطاب وممارسة منهجية تمتثل للعبة الديمقراطية ان صح التعبير, وتلبي في نفس الوقت احتياجات الناس الكبرى والحقيقة بصرف النظر عن الوعاء الذي تتخذه شكلا, منها تحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون, وفي وقت تتصاعد فيه التهديدات الحقيقية من الخارج حول سلامة الوطن وكل مواطنيه, وتتصاعد المخاوف الحقيقية في الداخل لخطورة الوضع الاقتصادي, مثل تراجع اسعار النفط وضعف الميزانية التنموية, ولكن هذا البرنامج الوطني المطلوب لن يتحقق الا بالاعتراف لان الديمقراطية تتضمن التوفيقية بين تيارات سياسية مختلفة. والتوفيقية هي لغة القرن الواحد والعشرين, لغة العولمة والنسبية الثقافية, إلا اننا نرى ضمن فرق اللعبة الديمقراطية من يبدون عدم اهتمام بالاساسيات الملموسة التي طال الصراع بعيدا عنها, وابتعدت الاولويات الى ساحة التمني اكثر منها وقوعاً في ساحة بحث الممكن السياسي, ويقود هذا الوضع المعكوس بالقطع الى الفشل السياسي مهما غطي هذا الفشل بالشعارات, أو بالنتائج المتعثرة مؤقتاً. لم يكن ماحدث على كل حال اختراقا للممارسة الديمقراطية, فقد ارتأت القيادة السياسية الكويتية بحكمتها المختزنة وبايمانها الديمقراطي ممثلة بسمو الامير وسمو ولي العهد ان تترك لهذه الممارسة كل الفضاء السياسي لممارستها كاملة, والتفعيل الحقيقي لآليات الدستور الذي ارتضاه المجتمع, وقد قلت مرة ان الحكم الاصعب هو الحكم الارحم, واضيف بعد الازمة تلك وطريقة معالجتها انه الحكم الارحب ايضا, وسوف يحسب للكويت مهما علت الاصوات وغيبت الحقيقة لفترة وراء بعض المصالح السياسية الآنية المؤقتة ان الكويتيين قادرون برغم الصعوبات الماثلة على ان يحافظوا على دولة شورى حديثة, وان اختلفت الاجتهادات فيها, فهي محددة بإطار آليات ومؤسسات يحترمها الجميع, وتختلف تماما عن نماذج اخرى للدولة المتسلطة التي ارادت يوما خسف هذه التجربة الشجاعة.

تعليقات

تعليقات