قراءة أخرى لمشروع طه حسين ( 2 من 2 ): د. علي أومليل

في المقال السابق تحدثنا عن الاطار التصوري الذي كان يدور فيه تفكير طه حسين وهو يضع مشروعه في إعادة تكوين العقل المصري (وكان تفكيره ينحصر في مصر أولا), وذلك بتكوين (نخبة مستنيرة) تقود عملية تحديث وديمقراطية المجتمع, وكان كبقية الاصلاحيين منذ القرن الماضي يفكر بالآخر, أي بالغرب, فهو عند الحداثيين القدوة, وهو عند الاصلاحيين الاسلاميين مصدر للاقتباس الإرادي لتجديد الفكر والأمة تجديداً يجعل الحداثة اسلامية والاسلام حديثا. وفسرنا لماذا كان منتظرا أن يكون الغرب المقتدى به أو المقتبس منه هو الغرب لا سواه, وتساءلنا عن مآل مشروع طه حسين وقد أصبح حتى الغربيين أنفسهم يسلمون بأن حداثة المستقبل متعددة, وأن الغرب في القرن المقبل لن يظل هو الحضارة, والقوة العالمية الوحيدة. إن آسيا تتحدى الآن الغرب على مستويات ثلاثة: اقتصادي, وسكاني, وثقافي وهو ما سنعرض إليه في الشطر الثاني من هذا الموضوع. - فهناك دول آسيوية تعرف نموا اقتصاديا منتظما عالي الوتيرة لم يسبق له نظير. فقد احتاجت أمريكا إلى 47 سنة لمضاعفة اقتصادها, وبريطانيا إلى 58 سنة, أما اليابان فقد ضاعفته في 33 سنة, وأندونيسيا في 17 سنة, وكوريا الجنوبية في 11 سنة والصين في 10 سنوات. ومن المتوقع في أفق سنة 2020 أن يكون نصيب الغرب من الاقتصاد العالمي 30 في المائة بدل 70 في المائة, و25 في المائة من الانتاج المصنع بدل 84 في المائة. وستكون 7 من أكبر 10 اقتصادات العالم آسيوية. - آسيا أيضاً تتحدى بكثافتها الديمجرافية, ليس من حيث الكم وحسب, بل والنوعية أيضا (انتشار التعليم كما ونوعا, وتوجيهه نحو الانتاجية العالية, وتحسن في المستوى الصحي للسكان...). - وتتحدى آسيا الغرب في دعواه بعالمية حضارته والقيم التي انبنت عليها, مثل الفردانية التي يقابلها الآسيويون بقيم الأسرة والجماعة الوطنية, ومثل حقوق الإنسان التي لا يسلمون بعالميتها. والذي نريد ملاحظته هنا هو اننا إذا ما كنا مثل الآسيويين ندافع نحن أيضا عن خصوصيتها الثقافية, فإن هناك فارقا شاسعا بيننا وبينهم. فنحن ندافع عنها تجاه الغرب بخطاب مجرد, دون قوة تسنده, في حين أن وراء تلويح الآسيويين بخصوصيتهم الثقافية في وجه الغرب قوتهم الاقتصادية والتكنولوجية (وقد تكون عسكرية) مما يجعلهم غير محتاجين لاعتراف الغرب لهم بهذه الخصوصية, فهي قائمة تفرض نفسها بقوة الأشياء. نقول هذا ونحن نعلم أن دولا آسيوية تجتاز أزمة مالية واقتصادية عميقة. هل هي أزمة نمو, أم هو انهيار كامل ونهاية ما سمي بالنمور الآسيوية؟ ليس هنا مجال للتفصيل في هذا الموضوع, ويكفي أن نقول ان المحللين والمراقبين ينقسمون إلى من يراها أزمة ولو انها عنيفة فان الدول الآسيوية سوف تجتازها, ومن يرى انها نهاية اسطورة, وان النمو الاقتصادي الآسيوي قد قام على تحالف يخالف منطق الاقتصاد والسوق بين أطراف ثلاثة: الدولة, المصارف, والمؤسسات الاقتصادية. ونحن نرجح انه في أسوأ الأحوال وان لم تستطع كل (النمور) تجاوز مصير الانهيار, فان بعضها على الأقل سينجح في ذلك. ان طه حسين لم يكن يدافع عن خصوصية ثقافية, فليس هناك ثقافات, تتحاور, أو تتفاعل, بل ثقافة واحدة تفردت وامتازت على كل الثقافات, هي الثقافة الغربية التي أصولها, في اليونان, واكتملت في فكر الأنوار, يقول: (الثقافة من حيث ترقية العقل, وتوسيع الأفق, ورقي الفكر الانساني, من حيث مصدر شعور الفرد بحقه وتقديره لواجبه, ومن حيث هي مصدر شعور الجماعة بحقها وشعورها بواجبها, وفي قدرتها على البقاء وقوتها للمقاومة واستعدادها للرقي. فالثقافة هي التي هدت أوروبا لاستكشاف العلم الحديث, ثم إلى التفكير في تراث القدماء, ثم إلى اصلاح التفكير, ثم إلى تجديد الفلسفة, ثم إلى تغيير قيم الأشياء وتغيير الحكم عليها. والثقافة هي التي هدت أوروبا إلى فلسفة القرن الثامن عشر. وإلى ما أنتجت هذه الفلسفة من الاعتراف بحرية الفرد والجماعة, وبحقوق الإنسان في أمريكا وفي فرنسا. والثقافة هي التي هدت أوروبا وأمريكا إلى الديمقراطية الحديثة, ثم إلى ما نشأ عنها من نظم الحكم الأخرى. فكل ما تمتاز به أوروبا وأمريكا من رقي وتفوق وسيادة على الطبيعة وعلى الأمم الأخرى إنما هو نتيجة للثقافة والثقافة وحدها) . إن قارئ هذا الكلام إذا كان ملما بالتاريخ الأوروبي وبتاريخ الأفكار فسيراه غاية في التبسيط. مفهوم الثقافة إذن عند طه حسين يختلف من مفهومها عند الاصلاحيين السلفيين. الجميع يذهب إلى أن النهضة هي اعادة بناء على أصول ثقافية, لكن هذه الأصول عند الكاتب المصري يونانية الابتكار, أوروبية المسيرة, لتصبح بعد ذلك عالمية. والنهضة عنده يقودها (العلماء الأحرار المستقلون) , ويسميهم أيضا (المستنيرين) . الاصلاح يبدأ بتكوين المصلحين, فكيف يتم ذلك؟ لقد نبتت في ذهن طه حسين فكرة حين عاد من دراسته بفرنسا في العشرينات بنى عليها مشروعه التنويري, متأثرا بما سمعه من أستاذه إميل دوركايم وهو يلقي درسا سنويا عن سان سيمون, وهو ما عبر عنه في مذكراته التي نشرها في أواسط هذا القرن. يقول: (كان الأستاذ دور كايم قد أنفق عاما كاملا يدرس لتلاميذه مذهب الفيلسوف الفرنسي سان سيمون الذي يقوم على أن أمور الفكر الصالح المنتج الذي يحقق العدل ويكفل رقي الشعب ويتيح للانسانية أن تتقدم إلى أمام يجب أن تصير إلى العلماء لانهم هم الذين يستطيعون أن يلائموا بين نتائج العلم على اختلافها, وبين حاجات الناس وطاقاتهم واستعدادهم للتطور والمضي في سبيل الرقي) . فأصبح إذن يعول على (نخبة مستنيرة) لقيادة عملية التحديث. هذه النخبة سينتجها التعليم, وستكون هي صفوة ما ينتجه, لكن ليس أي تعليم. فلا بد إذن من مشروع اصلاح جذري لنظام التربية والتعليم, فصله في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) . هذا المشروع هدفه خلق انسجام في الذهن المصري لكي يكون ذهنا حديثا, أو قابلا بقيم الحداثة. والدولة هي المنوط بها سياسة التربية والتعليم, بخلق المدرسة الوطنية الحديثة. و,هو وان أفسح المجال للتعليم الخاص, والتعليم الأجنبي, والتعليم الأصلي الديني, لكن لابد من مراقبة الدولة بفرض بعد المواد المشتركة, وبالمراقبة؛ طه حسين هنا ينقل تأثيرات من مدرسة التعليم الوطنية في فرنسا, والتي أرسى دعائم نظامها جول فيري في أوائل هذا القرن, وكان ذلك حصيلة انتصار الدولة اللائكية على الكنيسة في صراع طويل انتزعت منها التعليم العمومي في مراحله بالتدريج, وبقي التعليم الخاص غالبه في يد الكنيسة, ولو أن حجمه قليل بالقياس إلى تعليم الدولة. الكاتب المصري لا بقول بلائكية التعليم - وهو هنا يعبر أيضا عن تحفظ الليبراليين العرب تجاه اللائكية - لكن المسألة الأساسية هنا هي هذا الدور الأساسي الذي يعطيه طه حسين للدولة, ليس في مجال التعليم وحسب, بل في عملية تحديث المجتمع بوجه عام. وهنا مفارقة من مفارقات الليبرالية العربية. من المعلوم أن ركيزة الليبرالية الغربية - قدوة الليبراليين العرب - ليست هي الدولة, بل الفرد, والمجتمع المبني على التعاقد الحر, القابل للتجديد, بجمعياته المهنية, والسياسية, وكل تنظيمات المجتمع المدني. الدولة تأتي كبناء لاحق, هي تعاقد سياسي مكمل للعقد المجتمعي العام. وإذا كانت اشكالية الليبرالية هي كيف يمكن ضمان عدم التعارض بين حرية الفرد ومصلحته وبين حرية الآخرين والمصلحة العامة, وأن الدولة منوط بها جعل هذا الانسجام مضمونا ما أمكن بالقانون والتدبير, مع افساح المجال لأكبر قدر ممكن من الحرية الفردية, فان اختلاف فقهاء الليبرالية كان حول مقدار وميادين تدخل الدولة. لكن الأمر يختلف عند ليبراليينا, إذ انهم عولوا كثيرا على دور الدولة في قيادة التحديث الليبرالي عموما, والتحديث الديمقراطي بالخصوص. هناك إذن حجم ودور للدولة أكبر مما هو عند الليبراليين الأوروبيين, لماذا؟ ربما لافتقاد قاعدة اجتماعية تستند عليها الليبرالية العربية. فإذا كان سند الليبرالية الأوروبية هو اقتصاد وطني له استقلاليته عن الدولة, مما أوجد شرعية اقتصادية مقابل الشرعية السياسية, أو ان الشرعية الاقتصادية أوجدت لها تعبيرها السياسي, وإذا كان سند الليبرالية الأوروبية هو أيضا وجود مجتمع مدني, فإن الليبراليين العرب ظلوا نخبة من غير قاعدة اقتصادية وطنية, أو مجتمع مدني حقيقي. لذلك عولوا على الدولة في تحقيق أفكارهم وبرامجهم. والنتيجة هي التعويل على دولة سلطوية لانجاز التحديث والديمقراطية. وهنا المفارقة! ركيزة ليبراليينا لم تكن هي المجتمع, بل الدولة, ولذلك لا يمكن نمو مجتمع مدني ما دام أملهم كان معقودا على دولة مركزية قوية. وما دامت لم توجد بعد, فإن ذلك لم يمنعهم من احتلال مواقع في الدولة القائمة التي لم تكن لها مقومات الدولة الوطنية ما دامت صنيعة الاحتلال ولم تكن ديمقراطية بطبيعة الحال. وقد حاولوا ما أمكن انجاز اصلاحات جزئية هنا وهناك, مقابل ما تجنيه النخبة (الليبرالية) من نفوذ اجتماعي وسياسي. هذه النخبة من (المستنيرين) حاملة الحداثة الديمقراطية لا يسندها طه حسين إى قاعدة اقتصادية - اجتماعية, بل إلى قاعدة ثقافية بنشر التعليم الحديث بواسطة مدرسة وطنية موحدة, نموذجها المدرسة التعليمية الفرنسية اللائكية إلا أن مدرسة طه حسين ليست لائكية. ما دام يفسح المجال للتعليم الديني في المدارس العمومية والخاصة أيضا. وبوجه عام فان ليبراليينا لم يكونوا لائكيين, فنحن لا نجدهم يستبعدون الدين من تفكيرهم أو يقومون بمثل هذا النقد للفكر الديني الذي نجده عند فلاسفة الأنوار, بل ما نلاحظه هو أنهم في الوقت الذي كانوا يدافعون عن أفكارهم الليبرالية كانوا أيضا يؤلفون في الاسلاميات. صحيح ان طه حسين قام بنقد مثير للفكر الديني في كتابه (في الشعر الجاهلي) , وهو قد أدرك مسبقا ان كتابه هذا سوف (يسخط الساخطين) , ولكنه (سيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل, وقوام النهضة الحديثة, وذخر الأدب الجديد) . إلا أن الفكر الديني لا يمكن أن يتغير بمجرد وجود نخبة تتداول فيما بينها فكرا جديدا, فالدين قضية المجتمع ككل, فلا يمكن للفكر الديني أن يتطور لمجرد تعلق أفراد أو نخبة بأفكار عقلانية أو تنويرية قادمة من الخارج, فلا بد من وجود قوة اجتماعية يتطور الفكر الديني بتطويرها للمجتمع. لقد أعجب طه حسين بمنهج ديكارت وأراد أن يطبقه على الذاكرة العقدية الاسلامية, في الوقت الذي كان فيه الدين يقوم بدور الهوية الدفاعية الجماعية في مواجهة الضغط الأجنبي. ثم تراجع عن موقفه الفكري النقدي, ليس فقط لانه عدل من كتابه المذكور, وانما كذلك لانه ومنذ منتصف الثلاثينات صار يؤلف أيضا في الاسلاميات. هناك إذن مشكلتان ظلتا عالقتين عند طه حسين: مشكلة الدولة, ومشكلة الدين, ففيما يتعلق بالمشكلة الأولى فهو مثل ليبراليينا الذين عولوا على الدولة لتنشر أفكارهم التنويرية, عبر طريق التربية والتعليم, وأيضا لاقرار الديمقراطية. لكن, كيف يمكن أن تقوم مثل هذه الدولة بديمقراطية المجتمع وهي نفسها غير ديمقراطية؟ هم لم يبدأوا من نضال اجتماعي ديمقراطي لتأتي الدولة كحصيلة لهذا النضال. هم إذن عولوا على دولة تقوم بدمقرطة للمجتمع, ومعناه أنهم عولوا على دولة تسلطية لفرض الديمقراطية, وهنا المفارقة! أما المشكلة الدينية, فإنهم عولوا على الزمن ليحلها, فاعتقدوا ان الفكر العلمي وأفكار التنوير ستشق طريقها لا محالة, وان الدين سيؤول إلى قضية شخصية, وعلى الأكثر إلى شكليات رمزية للدولة. لقد اعتقدوا ان الزمن يعمل لصالحهم وانه كفيل بتعميم التقدم الذي لا راد لمسيرته, وان الارتباط سينفك بين الدين وبين الدولة والمجتمع الذي سيصير مدنيا أكثر فأكثر. باحث مغربي *

تعليقات

تعليقات