من فجر آفاق المصالحة الكويتية العراقية؟ محمد خالد الازعر

قبيل اندلاع ازمة تفتيش المواقع الرئاسية العراقية, اجتمع نفر من خبراء السياسة العربية والعلاقات الدولية, في رحاب احد المراكز البحثية بالقاهرة , وذلك للتدارس وتداول وجهات النظر حول آفاق العلاقات الكويتية العراقية. كان احد ابرز هموم المشاركين, تلمس سبل المصالحة بين الدولتين, على اعتبار ان مرور سبع سنوات على ازمة الغزو العراقي للكويت, والظلال الموحشة التي تركتها هذه السنوات العجاف على النظام العربي, مكانة ومستقبلا, وكذا على الشعب العراقي بالتحديد, وما ظهر من فشل المقاربة بالعقوبات للتعامل مع النظام العراقي.. تبرر البحث عن مداخل اخرى لتجاوز الازمة. وقد قيل في معرض حيثيات هذا البحث, انه لا مفر من مواجهة الحقيقة التي يتفق عليها العرب, بما فيهم الكويت, وهي ان العراق ليس المانيا بعد الحرب العالمية الثانية, حيث كان نزع سلاحها وتقسيمها واذلالها هو الطريق الى نسيان سلوكها الاقليمي والدولي, وعودتها الى الاطار الاوروبي, فالعرب لايوافقون, على تقسيم العراق او اختراق اراضية واذلال شعبة وتجويعه, او اهدار سيادته وامنه القومي, او استبعاده, من نظامهم الاقليمي, ومع ذلك اعتبر المتحاورون ان غياب اسس المشابهة بين حال المانيا بعد الحرب العالمية الثانية وحال العراق بعد عامي 90 ــ 1991, لاتنفي امكانية طرح تساؤلات بعينها وضرورة محاولة الاجابة عنها.. من ذلك: ــ هل يمكن لمسعى عربي نحو عودة العلاقات الكويتية العراقية ان ينجح في ظل دوام النظام العراقي الحالي؟ علما بأن تأهيل المانيا بعد الحرب جرى بعد اختفاء نظامها السابق. ــ في ظل التحركات الايرانية لفتح صفحة مختلفة مع دول الخليج, بل والحوار مع الولايات المتحدة.. الا يعد ضروريا العمل على اعادة العراق الى الساحة الاقليمية كقوة موازية لايران من ناحية, وتركيا التي تتحالف مع اسرائيل من ناحية اخرى؟ ــ هل يعتبر التطلع العراقي نحو الكويت, بفعل تكراريته, جزءا من الطبيعة العراقية السياسية, بحيث يحتمل وجود جولات اخرى بين الجانبين؟ ام ان الامر لايعدو استجابة لمتغيرات داخلية واقليمية ودولية تدفع لتحقيق اهداف معينة؟ ــ كيف يقتنع الكويت بأن ما جرى عام 1991 لن يتكرر.. ما المطلوب من العراق بالتحديد على هذا الصعيد؟ ــ من هي الجهة او الجهات الاكثر قدرة على الوفاء بمطلب المصالحة وضمان استمرارها؟ ــ ما اثر التحولات الاقليمية والدولية على مستقبل العلاقات بين الدولتين.. في ظل الوضع الراهن ووفق المستجدات المحتملة؟ ابرز النقاش حول هذه الاسئلة (الاشكاليات), ان السعي لتغيير النظام العراقي من الخارج, بمساهمة امريكية اساسا, يفتح بابا يصعب غلقه, فسوف تكون سابقة لايعلم احد متى ومع من تتكرر, وان العراق القوي الموحد المعافى اجدى للعرب وادعى للاستقرار وسيما في منطقة الخليج وان ترتيبات الامن الاجنبية في الخليج ثبت فشلها وهي ممر لاستجلاب ثروات الدول المعنية بمشتروات للاسلحة قد لاتكون لها حاجة وقت الضرورة وان للقوى الضالعة غير الخليجية اجندتها الخاصة, احيانا غير المفهومة تماما, وان المصالحة الكويتية العراقية هي المدخل المؤكد لاعادة رأب النظام العربي. هل نقول في ضوء الازمة الاخيرة ان معظم هذه التحليلات لاقت اصدائها في الواقع؟ ربما كان صحيحا الى حد بعيد, فالعرب رفضوا التغيير بارادة خارجية.. وكل ترتيبات الامن الخارجية لم تضمن الاستقرار واحتمالات التفجر, وكان الغموض باديا بالنسبة لما تريده واشنطن, ويقينا, كان الرأي العام العربي غاضبا من ألية دبلوماسية البوارج ضد العراق, بغض النظر عن الدواعي المعلنة. لم يبق اذن سوى كيف تجرى مصالحة الطرفين العربيين الاساسيين ومن يتولى هذه المهمة؟ الرؤية الراجحة بهذا الخصوص, كانت للذين توقعوا صعوبة عزل الابعاد العربية للمصالحة عن ابعادها الدولية, تماما كما هو الحال عند بداية الازمة منذ ثمانية اعوام, ولان (الخارج) له اجندته الخاصة, فانه لايمكن حسم الاجابة عن زمن المصالحة دون معرفة مفردات هذه الاجندة ومدى ملاءمة المصالحة لها. ضمن عمليات البحث عن مقتضيات المصالحة, كانت هناك قناعة مشتركة حول ضرورة الوفاء بحاجات الكويت الامنية وضمان طمأنتها وهنا طرحت تصورات مختلفة... فثمة الترتيبات الامنية الخارجية, وقد ثبتت كلفتها المرتفعة ماديا وسياسيا, وهناك امكانية ربط العراق بأليات خليجية للامن الاقليمي, وهناك اعلان دمشق الذي يحتاج الى جدية خليجية في التعامل معه, ويمكن التفكير في ضمانات دولية اوسع من المداخلة الامريكية شبه المنفردة في القضية الامنية مثلا باشراك روسيا وفرنسا والصين في اطار مستحدث.. وقد طرح البعض امكانية استلهام نموذج (المكانة الاقليمية) الذي يعزز فرص التقارب وتخليق مصالح مشتركة, مثلما فعلت دول الاتحاد الاوروبي, فهذه الدول ادمجت شطرا واسعا من حياتها الاقتصادية في اطر مشتركة, ووزعت صناعة القرار في هذه الاطر بحسب القوى والاوزان النسبية للاعضاء, وبات من شبه المستحيل وقوع صدامات من القوى الكبرى على الحليفات الاصغر بحكم الرضاء الذاتي الذي انشأته هذه العملية الاندماجية. على كل حال, فانه اذا اتجهت النواي الى المصالحة من الاساس, فسوف تنفتح افاق كثيرة في سياق البحث عن المداخل وتذليل العقبات والتخلص من عقلية الانتقام, ولكي تخلص النوايا, يتعين التعامل من منطلق السياسة وبأدواتها وليس بناء على ارث التجارب المرة. الامر المتوقع, ان لقاء الخبراء هذا الذي اوجزنا حوله, قد جاء ضمن اجتهادات عربية شعبية ورسمية متنامية لتوفيق العلاقات الكويتية العراقية, مراعاة لمناخ وحيثيات جديدة بعد سنوات من الازمة والاحتقان.. وهنا, لايستطيع المرء اخفاء مخاوفه من ان تكون ازمة فريق التفتيش التي تفجرت في هذا السياق, قد جاءت من خلفية رغبة البعض في سحب البساط من تحت هذه الاجتهادات, كي يبقى جرح الكويت ــ العراق داميا بين جنبات النظام العربي. كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالقاهرة*

تعليقات

تعليقات