حرب حقيقية في واقع افتراضي! بقلم- عمران سلمان - البيان

حرب حقيقية في واقع افتراضي! بقلم- عمران سلمان

خلال الازمة الاخيرة بين العراق والولايات المتحدة وللتقليل من الخسائر المادية عمد الجيش الامريكي الى تصميم اجهزة الكترونية ذات واقع افتراضي تشبه الى حد بعيد لعب الاطفال (الاتاري) . وقام الجنود الامريكيون في الكويت بالتدرب على هذه الاجهزة عوضا عن الاسلحة الحقيقية خصوصا صواريخ الباتريوت . ومع ان الحرب لم تقم حتى الآن الا ان تلك التدريبات لم تكن بلا دلالة, على الاقل فيما خص الافتراض والواقع الافتراضي. اما فيما خص الازمة نفسها فانه من المثير ان العالم كله قد تنفس الصعداء مع استثناءات هنا وهناك بانتهاء ازمة فرق التفتيش بين العراق والولايات المتحدة بعد الاتفاق الذي وقعه امين عام المنظمة الدولية كوفي عنان ونائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز في بغداد. مع العلم ان سبب الازمة منذ البداية لم يكن سوى تفصيل هامشي في عملية مستمرة منذ سبع سنوات. هل صحيح ان الاشهر الاخيرة بالذات كانت حاسمة بالنسبة الى اسلحة الدمار الشامل العراقية؟ لا ندري. وهل صحيح ما تقوله واشنطن من ان العراق وبعد كل هذه السنوات ومئات الوفود من المفتشين التي زارت بغداد بمختلف جنسياتها واختصاصاتها ولم تكتشف شيئا لا يزال يملك اطنانا من الغازات السامة وكميات كبيرة من الاسلحة البيولوجية؟. ان الامر المؤكد الآن ان الاتفاق الاخير والموقع بين عزيز وعنان والذي صادق عليه مجلس الامن الدولي لا يقول بأي حال من الاحوال ان العراق يمتلك تلك الاسلحة. وانما هو يحدد آلية عملية التحقق والتفتيش عنها فحسب والتأكد من خلو العراق منها ولا يتوخى البحث عن شيء محدد وفي مكان محدد. وذلك في ضوء الافتراض نفسه القائل بملكية العراق لاسلحة الدمار الشامل وهو افتراض امريكي بريطاني لم يسبق لبغداد ان اكدته يتبدى اذن ان الحرب المدمرة التي كانت واشنطن وحليفاتها بصدد القيام بها ضد العراق تقوم على مجرد افتراضات ليس هناك ما يؤكدها وان لم يكن هناك ما ينفيها ايضا, انما المهم هو ان سقوط مئات الآلاف من الضحايا والدمار والخراب الذي كانت ستحدثه تلك الحرب في حال قيامها في عموم المنطقة وليس في العراق فقط لم تكن غير ضرورية فحسب وانما ستكون كارثة محدقة لمجرد افتراض او اشتباه. الواقع ان هذه الفرضية لا تقف عند حد اسلحة الدمار الشامل وانما تتعداها ايضا الى حقيقة التهديدات العراقية المفترضة لدول الجوار او لاسرائيل. واذا كان المحللون والخبراء الغربيون انفسهم يعترفون بأن الآلة العسكرية العراقية والجانب المتطور منها تحديدا قد جرى تدميره اما مباشرة خلال حرب الخليج الثانية او عبر الحصار المتعدد الاشكال والمفروض على العراق منذ عام 1990. فان ما يدور الحديث عنه حول القدرة العراقية على ضرب اسرائيل او غيرها, يظل افتراضا قائما على اساس التخمينات بوجود اسلحة خرجت سالمة من قصف الحلفاء ولمزيد من تأكيد افتراضية هذه المسجلة ايضا يمكن معالجتها كالتالي: اولا: ان ضرب اسرائيل على سبيل المثال لا بد ان يتم بوسيلتين, اما بواسطة الطيران او الصواريخ بعيدة المدى (ونماذجها المعروفة صواريخ سكود), في حالة الطيران من الصعب على العراق ان يرسل طائراته لمهاجمة اسرائيل بسبب وضعية هذه الطائرات وافتقادها الى الجاهزية الفنية والقتالية طوال السنوات الماضية وللقدرة الساحقة ايضا التي يتمتع بها الطيران الغربي والاسرائيلي في هذا المجال. اما صواريخ سكود فقد اشرف قصف الحلفاء المكثف خلال حرب الخليج سوية مع لجان التفتيش الدولية على تدميرها. وهي من الحجم بحيث يتعذر اخفاؤها ليس على لجان التفتيش فقط وانما قبل ذلك على اجهزة التجسس الامريكية المختلفة المصوبة نحو العراق. اذن الحديث عن تهديد العراق لجيرانه او لاسرائيل هو الآخر مجرد فرضية امريكية لا سبيل الى اثباتها او دعمها بأي حجج او براهين. والواقع ان ما يملكه العراق حاليا من قدرات عسكرية (من اسلحة برية ومضادات للدفاع الجوي) بالكاد تكفي وباعتراف الخبراء الغربيين انفسهم للدفاع عن حدوده وردع الاعتداءات الاقليمية والخارجية الموجهة ضده. وكان واضحا ان الزوبعة التي اثارتها الحكومة الاسرائيلية الحالية بين سكانها وبين الغربيين بسبب ما قيل ان هجوما عراقيا متوقع بالاسلحة الكيماوية والبيولوجية على المدن الاسرائيلية لم يكن من قبيل المخاوف الحقيقية. وانما كان نوعا من الاستثمار السياسي والنفسي لظروف الازمة العراقية بغية كسب التعاطف والدعم الدولي لاسرائيل والتغطية على التراجع في عملية السلام. وتأكيد ما كان يردده رئيس اللجنة الخاصة ريتشارد بتلر من مزاعم حول امتلاك العراق اسلحة بيولوجية كافية لقتل سكان تل ابيب من جهة اخرى. وقد كشفت المعارضة العمالية كذب ادعاءات حكومة نتانياهو وطالبت بحجب الثقة عنها, بعد ان تنبهت الى مدى الاستغلال الذي قامت به هذه الحكومة لظروف الازمة وما نتج عنه من ذعر وهلع بين الاسرائيليين اثبت هشاشة الدولة العبرية, وهي لم تدخل حربا بعد, بيد انه اذا كانت الاسباب المعلنة للحرب على العراق. غير حقيقية وقائمة على الافتراض, فان دوافع هذه الحرب قد لا تكون كذلك. ان دولة عظمى كالولايات المتحدة, لها من الشواغل الامنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية, ما يكفي كي تشن الحرب علي اي بلد يقف حاجزا امام مخططاتها واستراتيجيتها. واذا بدا من الضروري جعل بلد مثل العراق عبرة ونموذجا للدول الاخرى, في المنطقة وخارجها, ما المانع في ذلك؟! ان تأكيد الهيمنة والسيطرة يمكن ان يكونا هدفا بحد ذاته, يستحق من الولايات المتحدة, ان تحشد كل هذه القدرة العسكرية الضاربة, لتأكيده وتثبيته في الاذهان والسياسات. واذا كان هذا البلد في منطقة حيوية للعالم, مثل الخليج العربي, فان الامر يكتسب اهمية خاصة, بالنظر الى ان المنطقة تشكل عصبا للاقتصاد العالمي. والسيطرة او تأكيد السيطرة عليها, يعني في جوهره تأكيد السيطرة والهيمنة على العالم. ان النفط والسيطرة على منابعه والتحكم في تدفقه, كان دائما هدفا معقولا لحرب كهذه. واذا ما تمكنت الولايات المتحدة من فرض هيمنتها الكاملة, فان ذلك يشكل مفتاحا لباقي السياسات في المنطقة, ليست اسرائيل وعملية السلام سوى احداها. ان الحرب الامريكية البريطانية ضد العراق لم تقم. ويمكن ايراد اكثر من سبب لذلك. قد تكون المعارضة الدولية والعربية الواسعة للحرب, وقد تكون النتائج والخسائر الباهظة لها (التكلفة المالية للحشود الحالية في الخليج بلغت اكثر من 600 مليون دولار حتى الآن, وفق مصادر امريكية رسمية), وقد يكون الموقف العراقي وقوة جبهته الداخلية احد الاسباب. وهنا نستطيع القول ان قدرة الحكومة العراقية على تعبئة اكثر من مليون متطوع, والاطمئنان الى وجود السلاح بأيديهم, قد اسقط مقولة الانفصام بين الشعب والقيادة في العراق. قد يكون احد هذه الاسباب, او كلها هو ما منع قيام الحرب, لكن لا أحد يستطيع القول او التأكيد, بأن أهداف الحرب لم او لن تتحقق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات